المقدمة
قد تبدو Amsterdam 1666 وكأنها لعبة ظهرت فجأة من العدم، خصوصًا مع الفارق الزمني القصير بين الإعلان عنها وإطلاقها، إلا أن هذه التجربة كان من المفترض أن ترى النور قبل سنوات طويلة، على يد المخرج باتريس ديزيلي (Patrice Désilets)، العقل المبتكر والأب الروحي لسلاسل أسطورية خلّدت اسمها في عالم الألعاب، مثل Prince of Persia وAssassin’s Creed.
تنتمي اللعبة إلى تصنيف الأكشن والمغامرات والتسلل من منظور الشخص الثالث، لكنها تبتعد عن القتال التقليدي لتقدم أسلوب لعب يحمل أفكارًا غير مألوفة، ويرتكز على السحر الأسود وقدرات خارقة تتيح للاعب التحكم بالحيوانات والشخصيات. ومن أبرز هذه الأفكار الاستعانة بحيوان مرافق، وتحديدًا قطة، يمكن استخدامها للتجسس واستكشاف البيئة من منظور مختلف.
لكن وصول هذا العنوان إلى أيدي اللاعبين لم يكن طريقًا سهلًا على الإطلاق. فبعد مغادرة ديزيلي لشركة Ubisoft، بدأ العمل على المشروع بالتعاون مع شركة THQ بين عامي 2011 و2013. إلا أن إفلاس THQ وتخليها عن عدد من عناوينها واستوديوهاتها أدّيا إلى بيع THQ Montreal مجددًا إلى Ubisoft، إلى جانب حقوق مجموعة من العناوين التي لم يكن قد أُعلن عنها في ذلك الوقت، وذلك مقابل مبلغ زهيد.
وهكذا وجد ديزيلي نفسه مرة أخرى داخل أروقة Ubisoft، لكن هذه العودة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اندلعت خلافات إبداعية حادة انتهت بإقالته وتجميد المشروع، ليبدو أن حلم Amsterdam 1666 قد وصل إلى نهايته. لكن ديزيلي لم يستسلم، وخاض معارك وصراعات قانونية استمرت لسنوات، إلى أن تمكن في النهاية من استعادة حقوق الملكية الفكرية للعنوان. وبعد تأسيسه لاستوديوه المستقل Panache Digital Games، حصل المشروع أخيرًا على فرصة جديدة للحياة، وبدأ تطوير Amsterdam 1666 من جديد، هذه المرة بحرية إبداعية أكبر ودون القيود والضغوط التي رافقت محاولاته السابقة.

أسلوب اللعب
هناك الكثير من الآراء التي تصف أسلوب لعب Amsterdam 1666 بأنه ممل وغير ممتع، لكن هذا الأمر يختلف من شخص إلى آخر. بالنسبة لي، لم يكن أسلوب اللعب ممتعًا في بدايته، خصوصًا عندما تكون حركاتك محدودة ولا تمتلك أي تعويذات سحرية، إذ ينحصر القتال حينها في توجيه الضربات وتفادي هجمات الأعداء ثم العودة إلى مهاجمتهم مجددًا. لكن الأمور تتحسن تدريجيًا مع اكتساب المهارات والقدرات، حتى إن القتال دون استخدام التعويذات يصبح أفضل. ومع ذلك، فإن هذا التحسن لن يظهر إلا في مرحلة متأخرة من تجربتك، أو قد يعتمد على قدرتك على البحث عن المهارات وتطويرها. بالنسبة لي، لم أعتبر هذا الجانب عاملًا أساسيًا في الحكم على تجربة القتال عمومًا، لأنه يعتمد على أسلوب لعبك، ولن تحتاج إليه إلا في أوقات معينة، وفي تلك الأوقات يكون مرضيًا إلى حد ما.
في بعض الأحيان، يمكنك إنهاء مهمات القصة بالكامل دون الدخول في أي مواجهة، باستثناء اللحظات التي تفرض فيها اللعبة القتال على اللاعب. وحتى عندما تبدأ المواجهات، فهي لا تعتمد على الضربات المباشرة باستخدام عصا Noa السحرية فحسب، بل يكمن جوهر النظام القتالي في استغلال قدراتها السحرية والتعويذات المختلفة. فبعضها يسمح لها بجعل أعدائها يحلقون في الهواء ويصبحون عاجزين عن الحركة، بينما تمنحها تعويذات أخرى القدرة على احتجازهم في أماكن محددة، ما يفتح المجال أمام التعامل مع المواجهات بطرق مختلفة بدلًا من الاعتماد على القوة المباشرة فقط. لكن ما يميز أسلوب اللعب بالنسبة لي هو طريقة توظيف مدينة أمستردام نفسها كجزء من ميكانيكيات اللعب. فقد استفادت اللعبة بشكل واضح من طبيعة المدينة التاريخية وتصميمها المميز؛ فأمستردام في تلك الحقبة، وحتى وقتنا الحالي، لا تزال محافظة على الطابع المعماري الفريد المتكون من شبكة من الأزقة والمباني المتقاربة التي تتخللها القنوات المائية، وهو ما تستغله اللعبة لمنح اللاعب حرية أكبر في التنقل والاستكشاف.
يمكن لـNoa استخدام إحدى تعاويذها للسير فوق سطح الماء، لتصبح القنوات وسيلة فعلية للتنقل بدلًا من أن تكون مجرد جزء من تصميم المدينة، كما أن تصميم المباني المتقاربة والأدوار المتجاورة يسمح بالانتقال بسهولة من مبنى إلى آخر، سواء عبر الأسطح أو من خلال الأزقة والممرات المختلفة.
إن تصميم العالم بهذا الشكل لا يخدم رغبة المطور في تصور شكل المدينة في تلك الحقبة فحسب، بل استُغل أيضًا لتصميم أسلوب تنقل يلائم العالم الموجود ويستفيد من كل جزئية ممكنة فيه.

نظام القدرات وعناصر الـRoguelite
يتم الحصول على القدرات التي توسع خياراتك في القتال والاستكشاف والتنقل من خلال البحث عن صناديق Coffers المنتشرة في العالم، والتي تضعك أمام ثلاثة خيارات مختلفة، لكنك لا تعرف طبيعة القدرة التي ستحصل عليها إلا بعد اختيار أحدها. وعندما يظهر الغرض نفسه مرة أخرى، تصبح الميزة التي تأتي معه معروفة مسبقًا، ما يمنحك مع الوقت معرفة أكبر بالقدرات التي يمكنك الحصول عليها.
هذا النظام مستلهم بشكل مباشر من ألعاب الـRoguelite، ويظهر تأثيره بشكل أكبر عند خسارة Noa، حيث تفقد جميع القدرات التي اكتسبتها خلال المحاولة، بينما تحتفظ فقط بالحركات والتعويذات الأساسية. لكن اللعبة لا تجبرك على إعادة البحث عن القدرات التي فقدتها من البداية؛ فعند بدء محاولة جديدة، تحصل على عدد من القدرات يعادل عدد القدرات التي خسرتها، ويمكنك الحصول على بعضها مجددًا أو استغلال الفرصة لتجربة قدرات مختلفة وتغيير أسلوب لعبك.
ولا تقتصر عناصر الـRoguelite على هذا الجانب فقط، إذ يمكنك أيضًا تطوير هذه المهارات عند العودة إلى الخط الزمني في الحاضر، مما يجعلها أكثر فائدة ويفتح المجال أمام تحسين قدراتك على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن اللعبة تتعامل مع هذا النظام بطريقة لا تجعل الخسارة تعني فقدان تقدمك بالكامل؛ فالتقدم الذي تحرزه في المهمة نفسها يبقى محفوظًا ولا يتغير عند إعادة المحاولة. وبالتالي، فإن عناصر الـRoguelite تتركز بشكل أساسي على إدارة القدرات واختيارها وتطويرها، وليس على إعادة المهمة من نقطة الصفر في كل مرة.

نظام المطاردة والسمعة (Wanted/Notoriety System)
يُعد نظام المطاردة والسمعة Wanted/Notoriety من أفضل الميكانيكيات الموجودة في اللعبة، لأنه يجعل اللاعب حذرًا بشكل مستمر من مسألة كشف هويته، ويدفعه إلى تجنب استخدام هوية الساحرة إلا عندما يكون ذلك ضروريًا. لكن النظام لا يقتصر فقط على مسألة التحول من شخصية بشرية عادية إلى ساحرة، إذ إن ارتكاب أفعال أخرى يمكن أن تلفت انتباه السلطات، مثل دخول الأماكن التي لا تمتلك Noa صلاحية الوصول إليها، أو التسلل إلى منازل المدنيين، أو محاولة السرقة والدخول بالقوة. كل هذه التصرفات قد تؤدي في النهاية إلى الإبلاغ عنك وبدء عملية المطاردة.
وعندما يتم الإبلاغ عنك أثناء وجودك داخل أحد المباني، تكون أولى خطوات الحراس هي محاصرة المكان، وهنا يمكنك تجنب المواجهة بعدة طرق اعتمادًا على قدرات Noa المختلفة، بدلًا من أن تكون المواجهة المباشرة خيارك الوحيد. أما إذا قررت الدخول في قتال، فإن استمرار المواجهة والتغلب على موجات الحراس سيؤدي إلى رفع مستوى الخطورة، ما يدفع النظام إلى إرسال جنود أقوى وأكثر قدرة على إيقافك.
والأهم أن هذا المستوى من الخطورة لا يختفي بمجرد نجاحك في القضاء على جميع الجنود الذين هزمتهم. فإذا تمكنت من النجاة والاستمرار في اللعب، فإن عملية كشفك في المرة التالية ستبدأ من آخر مستوى خطورة وصلت إليه، ما يعني أن العالم يتعامل مع Noa باعتبارها تهديدًا مستمرًا لا ينتهي حتى مع عودة الوضع إلى طبيعته، بدلًا من أن يعود مستوى الخطورة إلى الصفر بعد كل مرة.
هذا النظام يجعل ارتكاب الأخطاء أو اللجوء إلى القوة قرارًا له تبعات حقيقية، ويشجعك على التفكير قبل كشف هويتك أو الدخول في مواجهة غير ضرورية، خصوصًا أن التصرف المتهور في البداية قد يجعل المواجهات القادمة أكثر صعوبة.

التوجه الفني والأداء التقني
منذ أن وقعت عيني على أمستردام القديمة، أعجبت بها فورًا، خصوصًا أن المدينة ما زالت تحتفظ بالكثير من ملامح تصميمها المعماري والهندسي المميز حتى يومنا هذا. وقد بذل الفريق جهدًا واضحًا في محاولة إعادة تقديم أمستردام التاريخية بأزقتها ومبانيها وقنواتها المائية بأكبر قدر ممكن من الدقة، حتى إن أعضاء الفريق قاموا بزيارة المدينة بأنفسهم بهدف دراسة تفاصيلها والاقتراب من شكلها الحقيقي، وهو أمر انعكس بشكل واضح على تصميم العالم.
أما على الجانب التقني، فالتجربة تعاني من عدة مشكلات تحتاج إلى المزيد من العمل. أبرزها مشكلات التحكم أثناء التجول باستخدام القطة، حيث لا تكون حركتها واستجابتها دائمًا بالمستوى المطلوب. كما تظهر بعض الأخطاء في سلوك الشخصيات غير القابلة للعب، فتتعامل أحيانًا مع البيئة بطرق غريبة، مثل اختراق الجدران أو التداخل مع العناصر المحيطة بها.
وكما هو متوقع من العديد من الألعاب التي تستخدم Unreal Engine 5، تظهر أيضًا بعض المشكلات المتعلقة بالأداء، أبرزها عدم ثبات معدل الإطارات في بعض المواقف، إلى جانب بعض المشكلات التقنية الأخرى التي تجعل التجربة بحاجة إلى المزيد من التحسين والصقل.
* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- تنوع استخدامات السحر: تقدم اللعبة مجموعة من التعويذات التي لا تقتصر فائدتها على القتال، بل تدخل أيضًا في الاستكشاف والتنقل والوصول إلى أماكن مختلفة.
- تجسيد مميز للحقبة التاريخية: أعادت اللعبة بناء أمستردام القديمة بصورة مميزة، مع اهتمام واضح بالتفاصيل المعمارية والبيئية والتوجه الفني الذي يعكس طبيعة تلك الفترة الزمنية.
- عناصر الـRoguelite: تمثل إضافة موفقة للتجربة، خصوصًا أنها لا تؤثر على تقدم القصة، وتقتصر بشكل أساسي على المهارات والقدرات التي تكتسبها أثناء اللعب.
- تشجيع الاستكشاف: لا تمسك اللعبة بيد اللاعب لتخبره بمكان أهدافه، كما أن المواقع لا تظهر مباشرة على الخريطة، بل يجب اكتشافها بنفسك، وبعد تعليمها تظهر بشكل دائم على الخريطة.
السلبيات
- تشابه تصميم الزعماء: رغم اختلاف حركاتهم أثناء القتال، فإن الزعماء يتشابهون من ناحية المظهر، وكان من الأفضل تقديم تنوع بصري أكبر بينهم، فتصميم الزعيم وطريقة قتاله عنصران يكمل أحدهما الآخر، وكلاهما مهم في جعله عالقًا في ذاكرة اللاعب.
- القتال قابل للاختلاف: قد يختلف تقييم القتال من لاعب إلى آخر بحسب أسلوب اللعب، فاتباع أسلوب عدواني قد يجعله يبدو محدودًا، خصوصًا في المراحل الأولى، بينما يمنحه الاعتماد على السحر والتخفي تنوعًا أكبر. بالنسبة لي، وبعد حوالي خمس ساعات قضيتها مع القصة، كان القتال مقبولًا ولم يكن من المشكلات التي أعاقت استمتاعي بها، لكنها نقطة يجب أخذها في الحسبان.
- مشكلات تقنية: تعاني اللعبة من بعض المشكلات التقنية، مثل عدم استقرار الأداء، إلى جانب عدد من الأخطاء الأخرى.
- مشكلات في التحكم: يعاني التحكم من بعض المشكلات التي تؤثر على جودة التجربة، ويظهر ذلك بشكل واضح عند التحكم بالقطة، حيث تصبح الحركة أقل استجابة.
- ضعف مستوى الحوارات والشخصيات: لم تقدم اللعبة حتى الآن عددًا كافيًا من الشخصيات التي يمكن البناء عليها والتوسع من خلالها من حيث السرد، وهو ما أثر سلبًا على القصة وجعلها تبدو وكأنها تقتصر على شخصيات القصة الرئيسية فقط.
فكرة Amsterdam 1666 ممتازة على الورق، فهي تمزج بين السحر والشعوذة وحقبة تاريخية أُعيد بناؤها بشكل مميز، لكن هناك العديد من الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من العمل. فالقصة لم تقدم حتى الآن شخصيات تستحق الاهتمام باستثناء Noa، بينما لا يتمتع القتال بالقدر الكافي من المتعة عند عدم الاعتماد على السحر، إلى جانب بعض مشكلات التحكم وعدم استقرار الأداء.
لكن إذا نصحني أحد بلعبة تقدم أجواءً مشابهة، فستكون Amsterdam 1666 في مقدمة اقتراحاتي، حتى مع سلبياتها، خصوصًا إذا أخذنا في الحسبان أنها لا تزال في مرحلة الوصول المبكر. لم تقدم اللعبة سوى الفصول الأولى من قصتها حتى الآن، ولذلك من المبكر الحكم على التجربة كاملة، فمن الممكن أن يتغير السرد وطريقة تقديم المهمات، وحتى طبيعة التجربة نفسها، مع الفصول القادمة.
ومع ذلك، خلال المراحل الثلاث المتوفرة حاليًا، كان من الصعب أن أشعر بأن القصة تتجه نحو شيء أكبر؛ إذ شعرت في كثير من الأحيان بأنني أؤدي مجموعة من المهمات المتتالية دون إحساس واضح بتطور الأحداث أو وجود ما يدفعني إلى معرفة ما سيحدث لاحقًا. لذلك، فإن ما تقدمه Amsterdam 1666 حاليًا هو أساس واعد يحمل الكثير من الأفكار الجيدة، لكنه يحتاج إلى مزيد من المحتوى والصقل والتحسينات، إلى جانب التوسع بشكل أكبر في عالم اللعبة، حتى تتمكن من إظهار إمكانياتها الحقيقية.
