المقدمة
تعود لعبة المغامرة والنجاة في أعماق المحيطات Subnautica إلى الواجهة من جديد بأفضل صورة ممكنة، بعد أن قدمت جزءًا أولًا استثنائيًا وجزءًا فرعيًا نجح في توسيع عالم اللعبة واستكمال أحداثه. واليوم تعود السلسلة بجزء ثانٍ يحمل معه عالمًا جديدًا بالكامل، وشخصيات مختلفة، وقصة تبدو أعمق وأكثر طموحًا من أي وقت مضى.
إن وجود مطورين مثل Unknown Worlds Entertainment يقدمون تجارب جريئة ومختلفة مثل Subnautica يعد أمرًا رائعًا في وقت تعيش فيه العديد من استوديوهات الألعاب حالة من التردد والخوف من المخاطرة، مفضلةً ملاحقة الاتجاهات الرائجة بدلًا من تقديم أفكار جديدة ومبتكرة.
وتزداد قصة نجاح هذا الجزء إلهامًا عند النظر إلى المشاكل التي سبقت إطلاقه، وتحديدًا الخلاف الذي حدث بين فريق التطوير والشركة المالكة Krafton حول الحوافز المالية المرتبطة بالأداء التجاري للعبة. ورغم كل تلك الظروف، تمكنت اللعبة من تحقيق انطلاقة صاروخية فور صدورها، حيث باعت أكثر من مليوني نسخة خلال أقل من 12 ساعة فقط، ثم تجاوزت حاجز 4 ملايين نسخة خلال أقل من أسبوع، وذلك وهي لا تزال في مرحلة الوصول المبكر ومتوفرة على منصتي PC وXbox فقط.
ومن المؤكد أن هذه الأرقام تجاوزت الآن حاجز 5 ملايين نسخة بسهولة، خصوصًا مع الأخذ بالاعتبار أن اللعبة لم تصل بعد إلى إصدارها الكامل، ولم تصدر حتى الآن على منصات رئيسية أخرى مثل PlayStation 5 وNintendo Switch 2. ومع استمرار هذا الزخم، أصبحت Subnautica 2 واحدة من أكبر قصص النجاح في صناعة الألعاب هذا العام، متصدرةً قوائم المبيعات إلى جانب عناوين ضخمة مثل Crimson Desert وResident Evil Requiem.

القصة
تبدأ الأحداث على متن إحدى رحلات شركة Alterra المتجهة إلى كوكب زيزورا الصحراوي، وهي رحلة استيطانية طويلة تمتد لأربعة عشر عامًا دون نية للعودة. لكن الأمور لا تسير كما خُطط لها، إذ تتعرض السفينة المعروفة باسم Cicada لحادث كارثي يجبرها على الهبوط اضطراريًا على قمر غامض يدعى Proteus، وهو مكان تبدو كل تفاصيله وكأنها تصرخ بحقيقة واحدة: هذا العالم غير مؤهل للحياة البشرية.
تنطلق القصة فعليًا بعد مشهد الهبوط مباشرة، عندما تستيقظ الشخصية الرئيسية بعد إعادة طباعتها حيويًا ونقل وعيها إلى جسد جديد بواسطة الذكاء الاصطناعي Noa. ومنذ اللحظة الأولى يكلفك هذا الذكاء الاصطناعي بمهمة تبدو شبه مستحيلة، وهي التحقيق في مصير المستوطنين الذين وصلوا إلى هذا المكان قبلك واختفوا في ظروف غامضة.
عالم اللعبة
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في عالم اللعبة، خصوصًا عند الخروج فوق سطح الماء، هو وجود شجرة عملاقة تعرف باسم “شجرة العالم”. هذه الشجرة لا تمثل مجرد معلم بصري مهيب، بل تلعب دورًا محوريًا في أحداث القصة. فالبيئة المحيطة بها تعاني من انتشار فيروس غامض يدعى Proteavirus، وهو فايروس تسبب في ظهور متلازمة ماسفيلد تنجم عنها اعراض غريبة لدى المستوطنين السابقين، شملت الهلوسة، والسلوك العدواني، وسماع أصوات مجهولة تدفعهم بشكل مستمر نحو تلك الشجرة العملاقة.
ومع مرور الوقت وتأقلمك مع هذا العالم الغريب، تبدأ خيوط القصة بالاتضاح تدريجيًا. فمن خلال الصناديق السوداء والتسجيلات الصوتية والرسائل التي تركها المستوطنون في القواعد المهجورة، ستتعرف أكثر على حقيقة ما جرى هنا، كما ستكتشف المزيد عن الذكاء الاصطناعي Noa والدوافع الحقيقية التي تجعله متمسكًا بهذه المهمة الانتحارية رغم كل المخاطر المحيطة بها.
أنماط اللعب
توفر Subnautica 2 حالياً نمطين للعب. النمط الأول هو Survival، وهو التجربة الأساسية التي صُممت اللعبة حولها، حيث يتعين على اللاعب جمع الموارد وإدارة احتياجاته باستمرار، مثل الطعام والماء ومراقبة مستوى الأوكسجين أثناء الاستكشاف تحت الماء، مما يضيف شعوراً دائماً بالتوتر والخطر خصوصا عندما تستكشف في اماكن بعيدة عن المنشأة البحرية التي انشأتها لتعرف ما ان مؤشرات الشخصية تكفي للاستكشاف بصورة اعمق او العودة للتزود بالطعام والماء
أما النمط الثاني فيقدم تجربة أكثر بساطة وراحة، إذ يمنح اللاعب موارد غير محدودة ويلغي القيود المرتبطة بعناصر النجاة الموجودة في النمط الأول. لذلك يعد خياراً مثالياً للاعبين الذين يفضلون التركيز على البناء والإبداع والاستكشاف دون القلق بشأن إدارة الموارد أو البقاء على قيد الحياة. .اللعبة ستحصل مستقبلاً على أنماط لعب إضافية سيتم الكشف عنها وإضافتها خلال التحديثات.

أسلوب اللعب
أول ما سترغب في فعله بمجرد أن تبدأ اللعبة فعليًا هو إيجاد طريقة تضمن لك البقاء على قيد الحياة في هذا العالم المعادي. ففي الساعات الأولى لن يكون بإمكانك تناول الأسماك أو الاستفادة من معظم الكائنات التي تصطادها، إذ يتوجب عليك أولًا العثور على مواقع خاصة تتيح للشخصية التأقلم بيولوجيًا مع الحياة المحلية من خلال التعديلات الجينية، وهي فكرة ترتبط بشكل مباشر بقصة اللعبة والبيئة التي تدور فيها الأحداث.
بعد تجاوز هذه المرحلة تبدأ الرحلة الحقيقية، حيث يعتمد تقدمك بشكل كبير على توجيهات الذكاء الاصطناعي Noa الذي يرسلك لاستكشاف مواقع المستوطنين السابقين وجمع المعلومات التي تساعد على كشف مصيرهم. ومن خلال هذه الرحلات ستتنقل بين مناطق متنوعة، تجمع الموارد، وتكتشف تقنيات جديدة، وتتعرف تدريجيًا على أسرار هذا البحر.
وبعد ان تتقدم بشكل طفيف في القصة يتعرض الجهاز الموجود داخل حجرة النجاة التي استيقظت فيها لعطل يمنعه من الاستمرار في أداء وظائفه وهذا الجهاز يلعب دوراً مهما في تصنيع معظم الاغراض التي ستحتاجها طوال اللعبة، الأمر الذي يجبرك على البحث عن بديل دائم. وهنا تبدأ واحدة من أهم حلقات أسلوب اللعب، وهي بناء قاعدة خاصة بك لتكون المركز الرئيسي الذي ستعتمد عليه طوال الرحلة. ومن خلالها ستتمكن من تخزين الموارد، وتصنيع المعدات، وغيرها من الاشياء بالإضافة إلى توسيعها وتطويرها كلما تقدمت أكثر في القصة واستكشفت مناطق جديدة.
نظام البناء ما زال محافظًا على البساطة والمرونة التي اشتهرت بها السلسلة، بهذه الطريقة تشجع اللاعبين على قضاء أوقات طويلة في تصميم قواعدهم الخاصة وتطويرها. فاللعبة تمنحك الأدوات اللازمة لإنشاء ملاذ آمن بأبسط طريقة ممكنة، ثم تترك لك حرية التوسع والتعديل حسب ما تحتاج إليه.
تبدأ بتوفير مصدر طاقة مستقر للقاعدة، وغالبًا ما يكون ذلك من خلال توربينات هوائية او عن طريق استخدام الواح الطاقة الشمسية والتي تتوقف عن اعطاء الطاقة الكافية خلال وقت الليل، الطاقة التي تحصل عليها بأي طريقة تستخدم لتزويد أنظمة الحياة الأساسية بالطاقة، مثل نظام ضخ الأوكسجين، إلى جانب الأجهزة الأخرى التي ستعتمد عليها بشكل مستمر. ومن هنا تبدأ القاعدة بالنمو تدريجيًا لتتحول من مجرد مأوى بسيط إلى مركز عمليات متكامل يدعم جميع أنشطتك داخل العالم.
ما يميز نظام التقدم في البناء هو الطريقة الذكية التي تشجع اللاعب على الاستكشاف المستمر. فالكثير من الأجهزة الجديدة وصناديق التخزين والعناصر التجميلية لا يتم الحصول عليها عبر المهام أو شجرة تطوير تقليدية، بل من خلال جهاز المسح الذي يعد أحد أهم الأدوات في اللعبة. لذلك ستجد نفسك تمسح كل قطعة أو جهاز جديد تصادفه أثناء رحلاتك، لأن مجرد إكمال عملية المسح يضيف المخطط الخاص به إلى قائمة التصنيع، ليصبح متاحًا للبناء داخل قاعدتك متى ما امتلكت الموارد المطلوبة.
هذه الآلية تجعل الاستكشاف والبناء مرتبطين ببعضهما بصورة ممتازة، فكل مرة تذهب إلى منطقة جديدة، يجب عليك أن تبحث جيدًا عن أي أجهزة وأدوات توسّع خياراتك في البناء والتخصيص.

اللعب التعاوني
للمرة الأولى في تاريخ السلسلة، تدعم Subnautica 2 اللعب التعاوني لما يصل إلى أربعة لاعبين في الجلسة الواحدة، وهي إضافة طال انتظارها من مجتمع اللاعبين. وجود أكثر من شخص خلال الرحلة يجعل التجربة أكثر متعة وحيوية، خصوصًا مع الحجم الضخم للعالم وكثرة المناطق التي يمكن استكشافها. كما أن التعاون في جمع الموارد وبناء القواعد واستكشاف الأعماق الخطرة يضيف بعدًا جديدًا للتجربة لم يكن متوفرًا في الأجزاء السابقة. ولا تقتصر فائدة اللعب الجماعي على الجوانب العملية فقط، بل تمتد أيضًا إلى الجانب القصصي. فمناقشة الأحداث مع الأصدقاء والعثور على التسجيلات والرسائل التي قد تغفل عنها في حالة اللعب الفردي.
أعجبني أيضًا أن اللعبة اعتمدت على شخصية رئيسية صامتة لا تتحدث، ومع ذلك لم يؤثر هذا الأمر سلبًا على قوة السرد أو ارتباط اللاعب بالأحداث. على العكس تمامًا، نجحت القصة في جذب الانتباه بفضل أسلوبها المميز في رواية الأحداث عبر الرسائل والتسجيلات الصوتية والمذكرات التي تركها المستوطنون السابقون. هذا الأسلوب يحافظ على عنصر الغموض طوال الوقت، ويمنح شعورًا وكأنك تعيد تجميع أجزاء قصة حدثت قبل وصولك، لتعيش تفاصيلها تدريجيًا وتتعرف على المصير الذي واجهه أولئك الذين سبقوك إلى هذا القمر.
تمتلك Subnautica 2 قدرة مذهلة على جذب اللاعب من خلال فكرتها. يصعب العثور على لعبة استطاعت تجسيد أجواء الحياة البحرية والغوص في الأعماق بالطريقة التي تقدمها هذه السلسلة. هناك شعور دائم بالعزلة والغموض والفضول يدفعك لمواصلة الاستكشاف مهما كانت المخاطر التي تنتظرك في الأسفل.

الكائنات
أما تصميم الكائنات البحرية والنباتات، فهو من أكثر الجوانب تميزًا في اللعبة. التنوع الكبير في طريقة تصميمها، والطريقة التي ستتعامل بها مع كل مخلوق، يضيف الكثير إلى التجربة. والنجوم الحقيقيون هم الكائنات المفترسة التي جاءت بتصاميم غريبة ومرعبة. ومن المستحيل الحديث عن هذه النقطة دون التطرق إلى كائن Leviathan العملاق. فمجرد التواجد في منطقة بعيدة ذات رؤية محدودة كفيل بإثارة التوتر، لكن عندما تستشعر وجوده عن طريق الأصوات التي يصدرها في الأعماق، يتحول الاستكشاف إلى تجربة مخيفة، خصوصًا وأن بقية الكائنات الأخرى أحجامها معقولة إلى حد ما، ويمكن التخلص منها بسهولة رغم عدوانيتها وقدرتها على رصدك بسهولة. الهالة التي يفرضها هذا المخلوق على الجو المحيط بك وحدها كافية لإجبارك على التفكير مرتين قبل التقدم أكثر، أما عندما تراه عن قرب وتدرك حجمه الحقيقي، فستشعر وكأن شخصيتك ضئيلة مقارنة بحجمه الضخم.

في النهاية..
الوصول المبكر للعبة مثل Subnautica، خصوصًا مع توجه هذا الجزء إلى اللعب التعاوني، خيار مثالي حتى يستطيع المطور الاستماع إلى جميع أفكار اللاعبين. وشخصيًا، أنا متحمس للمركبات التي ستتم إضافتها. فمركبة Tadpole رائعة ومفيدة للوصول إلى أماكن عميقة جدًا من دون استنزاف للأكسجين، سواء بالنسبة لسائق المركبة أو للأشخاص المتمسكين بها.
أما القصة، فأنصحك عند الوصول إلى مرحلة معينة تحصل فيها على تسجيلات صوتية تكون بدون صوت، أن تتوقف، لأنه لم تتم إضافة تمثيل صوتي لها حتى الآن، والأمر لا يستحق الإكمال أكثر من ذلك، فنصف جمال القصة مقترن بالتمثيل الصوتي المصاحب لهذه التسجيلات. هي ليست كثيرة، فعدد قليل منها فقط لا يحتوي على تمثيل صوتي، 4 أو 5 تسجيلات على الأكثر، وتبدأ بملاحظتها عند وصولك إلى نهاية القصة الموجودة، والتي تعتبر غير مكتملة، ولا تزال تعد بالكثير من المفاجآت والأسرار، خصوصًا تلك التي تبدأ في ملاحظتها عند النهاية، وتوسع آفاق القصة بشكل كبير.
* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
مع كل هذا المحتوى الضخم، والتطور المهول في جميع النواحي مقارنة بالأجزاء السابقة، والمستوى التقني الممتاز، والإضافات الجديدة مثل اللعب التعاوني، من الصعب تصديق أن هذه النسخة لا تمثل سوى مرحلة مبكرة من اللعبة فقط، ومع ذلك تمنحك ساعات طويلة من اللعب. تركت اللعبة انطباعًا قويًا، ومع استمرار التحديثات، وإضافة طرق جديدة لاستكشاف عالمها الواسع، والتوسع في القصة، ستكون قادرة على أن تصبح أفضل لعبة في السلسلة، ومن بين أفضل الألعاب في تصنيفها.
