المقدمة
وضعتني لعبة FOREVER AGO في دوامة من المشاعر المتناقضة، متنقلةً بي بين لحظات السعادة وأخرى من أكثر اللحظات حزنًا التي عشتها في عالم الألعاب. يبدو أن Annapurna Interactive تمتلك موهبة خاصة في جمع الألعاب القصصية النادرة التي تملك القدرة على التلاعب بمشاعر اللاعب بهذا الشكل. تشعر وكأنهم، عندما يختارون الألعاب التي يريدون نشرها، يشبهون ثانوس وهو يجمع أحجار القوة واحدًا تلو الآخر. لكن بعد إنهائي اللعبة، أدركت أنها كانت أكثر من مجرد لعبة، بل تجربة تحمل في طياتها دروسًا قيّمة عن الحياة، وتقدمها بأسلوب لا تستطيع سوى ألعاب الفيديو تجسيده بهذه الطريقة.
اللعبة من تطوير استوديو Third Shift، الذي يطلق لعبته الأولى، ويا لها من بداية نارية مع عنوان كهذا! وتتولى Annapurna Interactive نشرها. وهي متوفرة على الحاسوب الشخصي (PC)، وأجهزة XBOX Series X|S، وPlayStation 5، وNintendo Switch 2، كما تتوفر منذ اليوم الأول ضمن اشتراك Game Pass Ultimate.

القصة
المقدمة اللطيفة التي تبدأ بها اللعبة لا توحي أبدًا بأننا على وشك خوض قصة درامية بهذا القدر من الحزن والمشاعر الإنسانية. تبدأ الأحداث عام 1974 مع ألفريد وأودري، وهما في مرحلة المراهقة خلال رحلة إلى Woolson Falls، حيث نعيش تلك اللحظات من منظور الكاميرا، قبل أن تتحول الرحلة الصيفية البسيطة إلى بداية قصة حب بينهما.
لكن المشهد ينتقل بنا بعد ذلك إلى ألفريد بعد مرور 50 عامًا، وقد أصبح رجلًا مسنًا يقود شاحنة الـVan التي اصطحبته هو وأودري في العديد من المناسبات، ليصنعا معًا ذكريات لا تُنسى. ومنذ اللحظة الأولى، يمكننا استنتاج أن أودري قد فارقت الحياة، خصوصًا من خلال المذكرة التي يحملها ألفريد، والتي تكشف لنا أن الدفتر الذي بحوزته ليس سوى رحلة أعدّتها أودري قبل وفاتها، وزيّنته برسوماتها اللطيفة التي تعكس موهبتها الفنية، تاركةً له مجموعة من الأماكن التي شكّلت محطات فارقة في علاقتهما، لتكون بمثابة دعوة أخيرة لاستعادة ذكرياتهما معًا.
الفكرة الأبرز التي تحملها القصة هي أن الحياة رحلة لا يمكن التنبؤ بما تخبئه لنا، وأن قيمتها لا تكمن في الوصول إلى النهاية بقدر ما تكمن في اللحظات التي نعيشها والأشخاص الذين يرافقوننا خلالها. ومع تقدمنا في الرحلة ومرورنا بمختلف المواقف والتحديات، نبدأ بإدراك المغزى الحقيقي وراء هذه التجربة، وصولًا إلى خاتمة جميلة تجسّد أصدق المشاعر الإنسانية وأكثرها تأثيرًا.
إنها قصة لا تبدو بعيدة عن واقعنا، بل قد يجد أيٌّ منا جزءًا منها في حياته الخاصة، سواء من خلال علاقته بشريك حياته أو بأفراد عائلته، وهو ما يجعلها مؤثرة عاطفيًا في أي شخص؛ لأن طريقة رواية القصة استطاعت تجاوز حدود كونها مجرد حكاية داخل لعبة.

أسلوب اللعب
مع قصة ملحمية ومؤثرة بهذا الشكل، كنت سأخوض التجربة حتى لو كانت مجرد رواية مرئية (Visual Novel). يعتمد أسلوب اللعب في FOREVER AGO بشكل أساسي على التجول والتفاعل مع الأشياء، لكن ما يميّزه هو الطريقة الرائعة التي توظّف بها اللعبة الكاميرا، ليس فقط كأداة لالتقاط الصور، بل كجزء من أسلوب سرد القصة وتوثيق اللحظات التي تمر بها خلال رحلتك. فالصور التي تلتقطها تتحول إلى ذكريات تحتفظ بها داخل دفتر يومياتك، لتصبح جزءًا من الحكاية التي تسردها اللعبة.
وخلال رحلتك، ستعود باستمرار إلى دفتر اليوميات لمراجعة المهام التي تركتها أودري لألفريد في كل موقع يزوره، إذ لم تكن تلك المهام مجرد أهداف عليك إنجازها، بل كانت طريقتها في توديعه وترك شيء من ذكرياتهما المشتركة معه. فقد كانت تعرف جيدًا أن كل هدف يحققه، وكل مكان يزوره، سيعيد إلى ذهنه اللحظات التي قضاها معها، ليعيشها من جديد وكأنها لم تكن مجرد ذكريات من الماضي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تأخذنا اللعبة إلى ذكريات ألفريد، لنعيش معه المراحل التي عانت فيها أودري من مرضها، وكيف بدأت صحتها تتدهور تدريجيًا وتفقد قوتها، بينما كان ألفريد يحاول بكل ما أوتي من قوة أن ينقذها من المصير المحتوم. وهنا تضعنا اللعبة أمام واحد من أقسى المشاعر الإنسانية؛ كيف يكون شعورك وأنت ترى شخصًا عزيزًا عليك يرحل أمام عينيك، عاجزًا عن فعل أي شيء لتغيير ما يحدث، مهما بلغ حبك له أو رغبتك في إنقاذه؟ ثم يأتي الحزن الذي يخلّفه رحيله، والفراغ الذي يتركه خلفه، وكيف تتحول الحياة شيئًا فشيئًا إلى جحيم ومعاناة.

وخلال رحلة ألفريد، نرافقه في محاولته لفهم الغاية من هذه الرحلة، ولماذا أرادت أودري منه زيارة تلك الأماكن تحديدًا دون غيرها. وفي الوقت نفسه، نرى كيف يتعامل مع فقدانها بطريقة تشبه ما قد يمر به أي إنسان يفقد شخصًا عزيزًا عليه، من خلال تجاهله للرسائل الصوتية التي يتركها له أشخاص يحاولون التواصل معه، وانغماسه في ذكرياته ومحاولته استيعاب ما حدث له.
ومع تسارع الأحداث، يبدأ ألفريد بإدراك حقيقة إنسانية مؤثرة، وهي أن الإنسان قد يترك أثرًا يدوم حتى بعد أن يفارق الحياة، وأن الحب والاهتمام اللذين نتلقاهما من الآخرين يمنحان حياتنا معنى وقيمة، حتى بعد رحيلنا. فالأمر لا يتعلق بعدد السنوات التي نعيشها بقدر ما يتعلق بالأشخاص الذين يشاركوننا هذه الحياة، والذكريات التي نصنعها معهم، والأثر الذي نتركه في قلوبهم.
ومن كان ليتوقع أن الشخصية الأبرز في القصة، والتي نجحت في سرقة الأضواء، ستكون كلبة ضالة تتقاطع طرقها مع ألفريد خلال رحلته؟ تتطور العلاقة بينهما بصورة جميلة ومؤثرة للغاية؛ فبعد أن كان ألفريد لا يرغب حتى في أن تلاحقه، نراه تدريجيًا يتعلق بها إلى درجة الشعور بالخوف والقلق من أن يصيبها أي مكروه. هذا التحول البسيط في ظاهره يحمل الكثير من المعاني، ويعكس قدرة هذه المخلوقات البريئة على تغيير حياة أي شخص، خصوصًا أنها تمتلك حاسة فريدة تجعلها تشعر عندما نحزن، فنراها تحاول التخفيف عنا بطريقتها الخاصة.
ومن اللمسات الجميلة التي أضافتها اللعبة إتاحة عدة خيارات لتسمية الكلبة، من بينها اسم الزهرة التي كانت أودري تحبها. وبالنسبة لي، يصعب تخيل أن يختار أي شخص يخوض هذه التجربة اسمًا آخر غيره، فذلك الاختيار يحمل دلالة عاطفية تتجاوز مجرد التسمية، وكأن أودري لا تزال حاضرة معه في هذه الرحلة، حتى بعد رحيلها.

التوجه الفني والموسيقى
اعتمدت FOREVER AGO توجهًا فنيًا مشابهًا لما شاهدناه في ألعاب مثل Life is Strange، والمتمثل في أسلوب Low Poly، واستطاعت توظيفه لخدمة قصتها وإيصال رسالتها بأفضل طريقة ممكنة. فهذا الأسلوب لا يعتمد على التفاصيل الرسومية المعقدة بقدر ما يستفيد من توظيف الألوان والتباين بينها لإبراز المشاهد ومنحها هويتها الخاصة، مع تقديم شخصيات تمتلك تفاصيل وتعبيرات كافية لإيصال مشاعرها، وهو ما يكتسب أهمية أكبر في لعبة تعتمد بصورة أساسية على السرد والتجارب الإنسانية.
أما الموسيقى، فلا أعتقد أنني بحاجة إلى قول الكثير عنها، خصوصًا أن اللعبة عرّفتني على فرقة Wolfie’s Just Fine، وأغنيتها الجميلة Nothing Goes Away، التي استطاعت تلخيص الرحلة بأكملها بكلمات رائعة تتناغم مع أحداثها.
