المقدمة
Zero Parades هي العنوان الجديد من استوديو ZA/UM الذي قدم لنا قبل عدة سنوات واحدة من أفضل الألعاب المستقلة على الإطلاق Disco Elysium، تلك التجربة التي استطاعت أن تترك بصمتها بفضل قصتها العميقة، الكتابة الاستثنائية، وإتقان أسلوب الـRPG بطريقة مختلفة عن المعتاد. ومع مرور السنوات استمرت اللعبة باكتساب المزيد من الشعبية والزخم عبر التحديثات المتواصلة حتى وصلت إلى مرحلة حصولها على تمثيل صوتي كامل وتوطين لعدة لغات من بينها اللغة العربية، ولو أن ذلك جاء متأخرًا بعض الشيء.
بعد النجاح الكبير الذي حققته Disco Elysium أصبحت الأعين كلها متجهة بالكامل نحو مشروع الاستوديو الجديد Zero Parades، خصوصًا مع الوعود بتقديم تجربة أكثر سوداوية وتركيزًا على عالم التجسس والصراعات السياسية مع المحافظة على أسلوب السرد العميق والحوارات الفلسفية التي اشتهر بها الاستوديو. أما عن الهجوم غير المبرر على اللعبة بسبب الأحداث التي رافقت مراحل تطويرها وخروج بعض مطوريها الأصليين، فلا أعتقد أن هذا الأمر يمس اللاعب بأي صلة، ما دام أن الفريق الحالي متمسك بالإرث والمسؤولية الكبيرة لتقديم تجربة توازي أو تتفوق حتى على Disco Elysium.

القصة
تبدأ أحداث اللعبة مع البطلة هيرشل ويلك أو كما تُعرف بالاسم الحركي “Cascade”، وهي عميلة تعاني من انهيار نفسي حاد بسبب فشلها في قيادة مهمة قبل خمس سنوات من أحداث اللعبة، الأمر الذي تسبب بسقوط فريقها بالكامل وتركها غارقة بالشعور بالذنب والندم منذ ذلك الوقت.
بداية اللعبة الفعلية تنطلق عندما تُمنح فرصة أخيرة لإثبات نفسها عبر مهمة جديدة تبدو غامضة منذ اللحظة الأولى، حيث تتوجه إلى شقة صغيرة للقاء أحد شركائها المعروف باسم “Pseudopod”، لكنها تجده بحالة أشبه بالموت تُطلق عليها حالة “Zeroed Out”، وهي حالة غريبة تجعل الشخص فاقدًا لإدراكه وكأنه مجرد جسد فارغ. من هنا تبدأ رحلتها لمحاولة معرفة السبب الحقيقي الذي أوصله إلى هذه المرحلة وما الذي يحدث خلف الكواليس داخل مدينة Portofiro.
واحدة من أكثر الأمور التي تميز القصة هي الغموض المسيطر على كل شيء منذ البداية، فاللعبة لا تعطيك إجابات مباشرة وتجعلك تشعر بنفس الضياع الذي تعيشه البطلة نفسها. الأصوات التي تتردد داخل عقل هيرشل طوال الوقت ليست مجرد وسيلة سردية، بل انعكاس لحالتها النفسية وشخصيتها المتخبطة، وكأنها تحاول إيجاد معنى داخل عالم غارق بالفساد والمؤامرات ومحاولات السيطرة على عقول الناس بطرق غير اعتيادية تجعل من الصعب معرفة الحقيقة أو حتى التمييز بين الواقع والهلوسة.

أسلوب اللعب
طريقة اللعب في Zero Parades تستبدل نظام الصحة والمعنويات الموجود في Disco Elysium بنظام جديد أكثر انسجامًا مع طبيعة اللعبة النفسية وفكرة كونك جاسوسًا يعيش تحت ضغط دائم، وذلك عبر ثلاثة مؤشرات رئيسية:
• Fatigue (التعب)
• Anxiety (القلق)
• Delirium (الهذيان)
كل واحدة من هذه الحالات تندرج تحتها صفات تؤثر بشكل مباشر على الحوارات وطريقة تفاعل الشخصيات معك وحتى الخيارات المتاحة أمامك. لذلك اللعبة لا تجعلك تفكر فقط بالقرار الصحيح، بل بالثمن النفسي الذي قد تدفعه مقابل كل تصرف.
في حال انهيار أحد هذه المؤشرات ستتعرض لعقوبة تؤثر على بناء شخصيتك عبر خسارة نقطة من نقاط المهارات الخمسة عشر، ورغم أن العقوبة أخف من Disco Elysium إلا أنها تبقى مؤثرة وتجبرك على التفكير قبل أي فعل. حتى التصرفات البسيطة قد تؤثر عليك بشكل سلبي، فمحاولة فتح باب بالقوة والفشل قد ترفع مستوى التعب، أو محاولة أخذ ملصق في المدينة خلال النهار قد تزيد القلق بسبب احتمالية أن يراك أحد. كذلك التسلل يعتمد بشكل كبير على التوقيت المناسب، إذ قد يكون المكان مراقبًا في وقت معين ويصبح فارغًا في وقت آخر.
تصميم طبيعة الجاسوس
اللعبة تتيح حرية اختيار نوع الجاسوس الذي ترغب أن تميل إليه شخصية هيرشل منذ البداية، وذلك عبر ثلاثة توجهات رئيسية تختلف بشكل واضح من حيث أسلوب اللعب وطريقة التعامل مع المواقف المختلفة:
• Kinetic
هذا النوع يجعل هيرشل أقرب إلى العميل الميداني الذي يعتمد على القوة، التخفي، والتسلل للحصول على المعلومات. الشخصيات التي تسلك هذا المسار تكون أكثر قدرة على التعامل مع المواجهات المباشرة، التحرك بصمت، وتنفيذ المهام الخطيرة بسرعة، مما يجعله مناسبًا للاعبين الذين يفضلون الحلول الحاسمة والاندفاع داخل عالم اللعبة.
• Charismatic
يركز هذا التوجه على الحوار والدبلوماسية والتأثير على الشخصيات الأخرى، حيث تصبح هيرشل قادرة على قراءة المواقف بشكل أفضل، التنبؤ بردود أفعال الشخصيات والانتباه إلى أبسط التفاصيل أثناء النقاشات. هذا النوع يمنحك حرية كبيرة في التلاعب بالآخرين أو حل المشاكل دون الحاجة للعنف، ويجعل الحوارات جزءًا أساسيًا من أسلوب اللعب.
• Analytical
هذا المسار يميل أكثر إلى التحليل والاستنتاج واستخدام القدرات التكنولوجية لفهم المواقف المعقدة وفك الشفرات وجمع المعلومات بطرق ذكية، لتتحول هيرشل إلى شخصية تمتلك عقلًا عبقريًا داخل جسد هش. هذا النوع يعتمد على التفكير وربط الأدلة أكثر من المواجهات أو التلاعب المباشر بالشخصيات.
وبالإضافة إلى هذه التوجهات الثلاثة، تمنح اللعبة اللاعب حرية واسعة في تصميم طبيعة الجاسوس بالطريقة التي تناسبه عبر توزيع نقاط المهارة على الصفات التي يراها ملائمة، مما يسمح بصنع نسخة خاصة من هيرشل تتناسب مع أسلوب اللعب الذي يفضله سواء كان قائمًا على التسلل أو التلاعب النفسي أو التحليل والاستنتاج. ومع ذلك فإن اختيارك في بداية اللعبة لا يعني أنك ستبقى مقيدًا به حتى النهاية، فاللعبة تمنح مرونة كبيرة في تطوير مهارات أخرى مع التقدم بالأحداث واكتساب نقاط الخبرة، مما يسمح لك بتقوية الجوانب التي كانت تمثل نقاط ضعف لشخصيتك وتوسيع قدراتها تدريجيًا.

نظام Thought (الأفكار)
يُعد نظام الـThought أحد أكثر عناصر Zero Parades إثارة للاهتمام، فمن خلال الحوارات والقرارات تبدأ هيرشل باكتساب أفكار وقناعات جديدة تؤثر بشكل مباشر على أسلوب اللعب.
في البداية تستطيع تفعيل عدد محدود من الأفكار، لكن مع التقدم يمكنك زيادة العدد، مما يمنحك حرية أكبر في تشكيل طبيعة الشخصية. هذه الأفكار تقدم فوائد مثل زيادة الصفات ورفع الحد الأقصى لمؤشرات التعب والقلق والهذيان، لكنها في المقابل تفرض شروطًا يجب الالتزام بها. بعض الأفكار تمنعك من شراء بعض العناصر، وأخرى تكافئك على اختيارات حوار معينة وتعاقبك عند مخالفتها. لذلك يصبح النظام سلاحًا ذا حدين.
تصميم القوائم (UI Design)
هذا الجانب هو الأكثر تفوقًا في Zero Parades مقارنة بـ Disco Elysium. واجهات اللعبة مصممة بعناية لتخدم الهوية البصرية واللعب في آن واحد.
واجهة المهارات أصبحت أكثر تركيزًا وتأثيرًا، حيث أصبح لكل مهارة دور ملموس في الحوارات وطريقة التفاعل. الحقيبة أيضًا حصلت على تحسينات كبيرة من حيث التنظيم والعرض. أما قائمة المهام فتعرض بشكل بطاقات فنية، ما يجعل تصفحها تجربة بصرية مميزة، وهو نفس الأسلوب المستخدم في قائمة الأفكار.
استوديو ZA/UM قدم تجربة مريحة جدًا، مناسبة لجلسات لعب طويلة، مع واجهة تقلل الحاجة لاستخدام لوحة المفاتيح وتسمح بالتركيز على القصة والحوارات.
التمثيل الصوتي
صدرت Zero Parades بشكل مكتمل منذ اليوم الأول مع أداء صوتي كامل لجميع الشخصيات، على عكس Disco Elysium التي احتاجت وقتًا أطول للوصول إلى هذه المرحلة.
الأداء الصوتي جيد جدًا، مع وجود بعض الجمل غير الممثلة صوتيًا، وهو أمر أكد الاستوديو أنه خطأ سيتم إصلاحه. النسبة قليلة جدًا ولا تؤثر بشكل فعلي على التجربة.
نظام رمي النرد
يعتمد النظام على الحوارات والمهارات، حيث يتم تفعيل رمية نرد لتحديد نجاح أو فشل الخيارات. يمكن تحسين فرص النجاح عبر اختيار ردود مناسبة أو تقليل المؤشرات النفسية.
يمكنك أيضًا العودة لاحقًا بعد تطوير الشخصية أو تغيير الملابس أو تفعيل أفكار معينة لزيادة فرص النجاح. بعض الاختبارات قابلة للإعادة، وأخرى نهائية.

التوجه الفني
رغم التغييرات داخل الاستوديو، حافظ ZA/UM على هويته الفنية. مدينة Portofiro تعكس هذا بوضوح من خلال تصميمها المليء بالبروباغندا والأجواء الكئيبة.
البيئة تنقل القصة دون شرح مباشر، عبر التفاصيل البصرية فقط، ما يعزز الإحساس بالغموض والسيطرة الفكرية داخل العالم.
الأداء التقني
مشكلة الحوارات غير الممثلة صوتيًا تم حلها، لكن هناك مشكلة في استجابة التحكم باليد (Controller) على PC، ويمكن حلها عبر تفعيل Steam Controller Input. ومع ذلك من الأفضل حلها بشكل رسمي لاحقًا.
باستثناء ذلك، لا توجد مشاكل تقنية تُذكر في اللعبة.
* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- من الجيد أن الاستوديو لم يتخلَّ عن نظام تصميم الشخصية من حيث الخصائص، والأفضل من ذلك أن هناك تركيزًا على الجودة بدل العدد، لتصبح كل مهارة ذات تأثير ملموس داخل أسلوب اللعب.
- طول اللعبة ممتاز جدًا وتستحق الثمن المدفوع عليها.
- عدم الخوف في طرح عدة مواضيع مثل الشيوعية، البروباغاندا الإعلامية، والسيطرة على العقل الجمعي، حيث تتبنى اللعبة هذه المواضيع وتبني حولها عالمها بالكامل بجرأة واضحة.
- نظام الحالة النفسية للبطلة خدم القصة وأسلوب اللعب في نفس الوقت.
- تواجد طرق عديدة لإنهاء المهمات بحسب تفضيل كل لاعب.
- مدينة Portofiro رائعة بصريًا، والتوجه الفني بشكل عام في اللعبة ممتاز.
- مدينة التمثيل الصوتي ليس رائعًا فحسب، بل يحتوي على شيء مميز وهو تنوع اللهجات بين مؤديي الأصوات، ما يمنح كل شخصية طابعًا مختلفًا عن الأخرى، إضافة إلى أن كل الحوارات تمتلك أداءً صوتيًا منذ اليوم الأول. رائعة بصريًا، والتوجه الفني بشكل عام في اللعبة ممتاز.
- كتابة ممتازة للحوارات.
السلبيات
- عدم تواجد اللغة العربية في سيناريو مشابه لما حصل مع Disco Elysium، حيث لم نحصل على دعم رسمي إلا بعد مرور 5 سنوات من صدورها وبعد حملات واسعة طالبت بتوفير اللغة، خصوصًا في نوع الألعاب الذي يحاول الاستوديو الوصول فيه إلى جمهور واسع. لذلك نتمنى ألا يطول الأمر، وأن يتم تقدير مجتمع اللاعبين العرب بالشكل الذي نستحقه، لأن من أبسط الحقوق أن تتم مساواتنا بكافة اللاعبين حول العالم.
- الموسيقى لم تصل إلى مستوى Disco Elysium، لكن هذا لا يعني أنها سيئة، إلا أن التوقعات كانت أعلى بصراحة.
رغم الجدل الكبير الذي أحاط بعملية تطويرها والمشاكل التي مر بها الاستوديو خلال السنوات الماضية، استطاع استوديو ZA/UM من خلال Zero Parades أن يثبت أنه لا يعيش على إرث Disco Elysium فقط، بل يعمل فعليًا على تطويره وتوسيعه. اللعبة ليست مجرد خليفة روحية تحاول تقليد ما سبقها، بل تجربة تمتلك هويتها الخاصة وإيقاعها المختلف، عبر قصة تجسس مشوقة ترتكز على بطلة تطاردها مشاعر الفشل، الذنب، والانهيار التدريجي لهويتها الشخصية.
بينما كانت Disco Elysium تركز على تفكيك شخصية محقق محطم يحاول النجاة من حطام حياته، تتجه Zero Parades نحو مواضيع أكثر قتامة تتعلق بالبروباغندا، الشيوعية، وآليات السيطرة الفكرية، وكيف تستطيع الأنظمة تشكيل عقول الناس وتحويلهم إلى أدوات تخدم قوى أكبر منهم دون أن يدركوا ذلك بالكامل. هذه الأفكار ليست مجرد خلفية للقصة، بل تمثل العمود الفقري الذي بُنيت عليه التجربة بالكامل.
والأهم من ذلك أن الاستوديو قدم هذه المرة شيئًا افتقدته Disco Elysium عند صدورها، وهو تجربة مكتملة منذ اليوم الأول مع أداء صوتي كامل لجميع الشخصيات. هذه الخطوة تعكس التغير الكبير الذي جعل الاستوديو يتأخر كل هذه المدة لإطلاقها بأفضل شكل ممكن، وتجعل Zero Parades لعبة لا ينقصها شيء من اليوم الأول، لا كمشروع ينتظر التحديثات حتى يكتمل.
