المقدمة
عندما نرى أن العديد من استوديوهات تطوير الألعاب، بمختلف أحجامها، بدأت تغلق أبوابها، ندرك أن صناعة الألعاب تمر بمرحلة صعبة. وتعود هذه الأزمة إلى أسباب عديدة؛ فبعضها مرتبط بالعوائد المالية التي يتوقعها المستثمرون للاستمرار في تمويل الاستوديوهات، وبعضها الآخر ناتج عن التوقعات المبالغ بها من الناشرين. وفي المقابل، يقع جزء من المسؤولية على عاتق اللاعبين أنفسهم، إذ أصبح الكثير منهم يركزون على العناوين الضخمة والمشهورة فقط، وهو أمر مفهوم في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، من تضخم وارتفاع أسعار الألعاب، ما يجعل شراء أي لعبة قراراً يحتاج إلى التفكير. لكن في المقابل، يبقى دعم ألعاب المطورين المستقلين ذا أهمية كبيرة، حتى وإن كان ذلك بمجرد إضافتها إلى قائمة الأمنيات على المتاجر بمختلف أنواعها، هذه الخطوة البسيطة تساعد في زيادة ظهور اللعبة وانتشارها، وقد تصنع فارقاً حقيقياً بالنسبة لفريق تطوير صغير يعتمد على دعم المجتمع.
Maseylia هي لعبة Metroidvania وأكشن ومنصات ثلاثية الأبعاد، وتحمل وراءها قصة تطوير ملهمة. فقد كان مطورها الرئيسي يحلم بالانضمام إلى أحد استوديوهات تطوير الألعاب، إلا أنه قوبل بالرفض بحجة عدم امتلاكه الخبرة الكافية. لكنه بدلاً من الاستسلام، قرر أن يجعل هذا الرفض نقطة انطلاق، فبدأ بتعلم جميع المهارات اللازمة لتطوير الألعاب بنفسه. ومع مرور الوقت، تحول المشروع من مجرد هواية شخصية إلى لعبة متكاملة، بمساعدة اثنين من إخوته اللذين ساهماه في صقل التجربة وتحسينها في جوانب متعددة. وفي النهاية، صدرت اللعبة رسمياً على الحاسب الشخصي عبر متجر Steam، وحققت بداية مشجعة للغاية، إذ تجاوزت مبيعاتها ألف نسخة دون أي حملة تسويقية، وهو إنجاز يُحسب لفريق تطوير صغير اعتمد بشكل أساسي على جودة لعبته لتحقق إنتشار بين مجتمع اللاعبين.

القصة
تبدأ الأحداث الحقيقية على كوكب ماسيليا قبل انطلاق مغامرة بطلنا بقرن كامل. ففي ذلك الوقت، وصل الغزاة الذين يطلق عليهم سكان الكوكب اسم “القادمون من السماء”. وعلى عكس ما اعتدنا عليه في معظم قصص الخيال العلمي، فإن الطرف الغازي هنا ليس كائناً فضائياً، بل البشر أنفسهم، الذين قرروا احتلال الكوكب والاستيلاء على موارده.
وصل البشر على متن سفينة عملاقة بلغ حجمها حداً جعلها تحجب إحدى شمسي الكوكب، وهو عالم يعتمد على شمسين للحفاظ على توازنه البيئي. وأدى هذا الحدث إلى تغيرات كارثية في طبيعة الكوكب، واندلعت حرب طويلة استمرت لسنوات بين سكان ماسيليا والبشر، وانتهت بدمار واسع أجبر معظم الناجين على الفرار والاختباء داخل الأنفاق والمخيمات تحت الأرض.
تجري أحداث اللعبة بعد مرور قرن على تلك الحرب. ونتقمص دور أحد الناجين الذين وُلدوا داخل أحد هذه المخيمات، وهو شاب لم تتح له الفرصة لرؤية كوكبه كما كان قبل الغزو أو معرفة الحياة التي عاشها أجداده. ومع اختفاء والده في ظروف غامضة، ينطلق في رحلة بحث تقوده تدريجياً إلى خارج حدود المخيم، ليكتشف حقيقة ما جرى على كوكب ماسيليا، والأسرار التي لا تزال مدفونة بين أنقاضه. لكن من يكتفي بإنهاء اللعبة دون التعمق في استكشاف العالم، سيخرج وهو لا يعرف سوى القليل عن أحداث القصة. فمعظم تفاصيل السرد مخفية داخل الرسائل والمذكرات التي تركها كل من البشر وسكان كوكب ماسيليا، والموزعة في مختلف أنحاء العالم، ما يجعل الاستكشاف جزءاً أساسياً لفهم ما حدث وكيف دمرت هذه الحرب هذا الكوكب ولم يتبقى سوى الاثار
ما يميز أسلوب السرد أن اللعبة تفصل رسائل كل طرف عن الآخر، فلا تختلط رواية البشر برواية سكان الكوكب. هذا الأسلوب يمنحك فرصة لفهم القصة كل جانب على حدة، ثم ربط الأحداث بنفسك وفق تسلسلها الزمني الصحيح.

أسلوب اللعب
إذا كنت تبحث عن لعبة تقدم نظام قتال عميق ومتنوع، فربما Maseylia ليست الخيار المناسب لك، لأن تركيزها الأساسي ينصب على الحركة والاستكشاف أكثر من المواجهات. تبدأ التجربة بقدرات بسيطة، ثم تتوسع تدريجياً مع حصولك على مهارات جديدة. ورغم أن هذه القدرات قد تبدو للوهلة الأولى اعتيادية، مثل المناورة في الهواء أو الاندفاع بحرية تحت الماء، إلا أن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتكامل مع تصميم العالم نفسه.
فاللعبة تستغل هذه المهارات بذكاء داخل البيئة، لتمنحك طرقاً مختلفة للوصول إلى أماكن قد تبدو مستحيلة في البداية. أما نظام القتال، فهو يظل الجانب الأضعف نسبياً، إذ يقتصر على سلاحين فقط: سلاح قريب المدى بمجموعة محدودة من الضربات، وقوس للقتال بعيد المدى. لكن القوس لا يقتصر دوره على القتال، بل يمكن استخدامه في نقاط محددة داخل البيئة ليتحول إلى خطاف يسحب شخصيتك نحو المكان الذي تصوب عليه، ليصبح جزءاً أساسياً من التنقل وحل بعض التحديات.
هذا التكامل بين القدرات المختلفة وتصميم مراحل البلاتفورمنغ يمنح اللعبة واحدة من أبرز نقاط قوتها، إذ تشعرك في كثير من الأحيان بأنها تكافئ فضولك واستكشافك. فقد تتمكن، بالاعتماد على مهاراتك في الحركة، من الوصول إلى مناطق تبدو مخصصة لقدرات لم تحصل عليها بعد، أو تجاوز تحديات كان من المفترض العودة إليها لاحقاً. ومن أفضل الأمثلة على ذلك مناطق اللعب تحت الماء في بداية اللعبة. ففي تلك المرحلة تكون مدة بقاء الشخصية تحت الماء محدودة، وبعد نفادها تبدأ بخسارة صحتها تدريجياً، مما يجبرك على البحث عن فقاعات الهواء لمواصلة الاستكشاف. ورغم أن اللعبة تمنحك لاحقاً قدرة تتيح التنفس تحت الماء دون قيود، فإن محاولة استكشاف تلك المناطق مبكراً والنجاح في تجاوزها باستخدام الموارد المتاحة فقط يمنح شعوراً مميزاً بالإنجاز، حيث تشعر انه تتم مكافأتك على فضولك والتجربة خصوصا عندما تحصل على قدرات تجعلك تستذكر انها كانت مخصصة لتلك الاماكن التي تجاوزتها بطريقة مختلفة

الأسلوب الفني
تتأثر Maseylia بشكل واضح بالأسلوب الفني للفنان الفرنسي موبيوس، الذي ارتبط اسمه في السنين الاخيرة الخيال العلمي والفضاء بفضل رسوماته ذات الألوان الهادئة . وليست هذه المرة الأولى التي تستلهم فيها لعبة هذا التوجه الفني، فقد سبقتها Sable التي قدمت رؤية بصرية مستوحاة من أعماله أيضاً. وقد كان هذا الاختيار موفقاً للغاية، إذ يمنح اللعبة هوية بصرية مميزة تجعل كل منطقة تبدو وكأنها لوحة فنية. ويبرز ذلك بشكل خاص في لعبة من نوع Metroidvania، حيث يُعد تنوع البيئات أحد أهم عناصر نجاحها.
تتميز كل منطقة بتضاريسها وألوانها وتفاصيلها الخاصة، لدرجة أنك ستتمكن من معرفة المنطقة التي تنتمي إليها بمجرد النظر إلى البيئة المحيطة، حتى دون الحاجة إلى فتح الخريطة. هذا التنوع البصري يساعد أيضاً على ترسيخ هوية كل منطقة في ذاكرة اللاعب.
* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- ميكانيكيات حركة مدهشة تجعل أجزاء البلاتفورمنغ ممتعة للغاية.
- بداية قوية للاستوديو تجعلني متشوقًا لرؤية مشروعه القادم.
- توجه فني مميز يجعل اللعبة تترسخ في ذاكرة اللاعب.
- السرد البيئي ممتاز، ويجعلك تفهم جميع الأحداث التي مرت على هذا الكوكب من خلال استكشاف معالمه أو الاطلاع على الرسائل المتروكة.
السلبيات
- أسلوب القتال محبط ويفتقر إلى التنوع.
- على الرغم من إعجابي الشديد بالقصة، فإن الكثير من اللاعبين قد يفقدون التواصل معها ما لم يبحثوا جيدًا عن الرسائل ويتعمقوا في عالمها لفهم أحداثها.
- قتال الزعماء أقل من عادي، ولا يقدم أي تحدٍ يُذكر. إضافة إلى ذلك، فإن قتال بعضهم قد لا يستمر حتى دقيقة واحدة، كما يعتمد معظم هؤلاء الزعماء على سلاح واحد فقط في مواجهتهم، وهو القوس.
قدمت Maseylia ما جذبني إليها منذ البداية، وهو أسلوبها الفني المميز وعالمها المتنوع، كما أن توجهها لتقديم لعبة Metroidvania ثلاثية الأبعاد منحها شعور يختلف عن معظم ألعاب هذا التصنيف، مع نظام بلاتفورمنغ ممتع.
في المقابل، نظام القتال كان محبطاً ، كما أن العودة إلى المناطق القديمة، وهي إحدى أهم ركائز ألعاب المترويدفينيا، لم تكن مجزية بما يكفي، ليس لغياب الأسرار، بل لأن مكافآت اكتشافها لا تستحق عناء البحث عنها.
ورغم ذلك، تبقى Maseylia بداية واعدة لاستوديو مغمور، وتمثل أساساً جيداً يمكن البناء عليه في مشاريعه القادمة.
