Reanimal
المراجعات

مراجعة Reanimal

المقدمة

منذ عام 2021، يترقب الجمهور بشغف المشروع الجديد لاستوديو Tarsier Studios، وسط تساؤلات لا تهدأ: هل سيحافظ الاستوديو على بصمته الفنية الفريدة، أم يغامر بالخروج من عباءة الماضي؟

فالسلسلة التي قدّمها سابقًا، Little Nightmares، لم تكن يومًا تجربة عابرة؛ بل كانت ظاهرة فنية متكاملة، عالمٌ من الغموض والكآبة وأسلوب لعب مميّز جعلها حاضرة في الذاكرة حتى يومنا هذا، لدرجة أن أي لعبة تسير على النهج ذاته سرعان ما تُقارن بها دون تردّد.

التحدي الحقيقي هنا لم يكن تقنيًا بقدر ما كان إبداعيًا: شغف استوديو اعتاد تقديم عوالم سوداوية قاسية، يسعى هذه المرة لابتكار تجربة جديدة كليًا، عالم وحشي لا يرحم، لكنه يحمل هوية مختلفة. فهل نجح Tarsier Studios في تجاوز إرثه الثقيل، وتحقيق ما تعجز عنه العديد من الاستوديوهات رغم اختلاف إمكانياتها عندما تُجبر على طيّ صفحة الماضي والانطلاق نحو مشروع قد يكون خريطة الطريق الجديدة، والحدّ الفاصل الذي سيرسم ملامح مستقبلها؟

Reanimal 01

القصة

تتبع اللعبة رحلة طفلين(أخ واخته) عالقين في عالم تهيمن عليه القسوة والرعب، فوق بقايا حضارة مكسورة اندثرت منذ زمن بعيد. ما تبقّى هو مشهد كابوسي تشكّل من الخوف والانحلال، وأصداء شيء كان يومًا يشبه الإنسانية.

يبقى الاستوديو وفيًا لجوهره الإبداعي، معتمدًا بشكل أساسي على السرد البيئي والرمزي بدلًا من الطرح المباشر للأحداث. فبدل تقديم إجابات واضحة أو مطمئنة، تحتضن القصة الغموض، لتتحول بحد ذاتها إلى لغز مستمر يفتح الباب أمام المزيد من التساؤلات. وحتى اليوم، ما تزال سلسلة Little Nightmares تكشف أسرارًا جديدة عند التمعّن فيها، ومع Reanimal لا يتغير هذا النهج إطلاقًا. تدعو اللعبة مجتمعها إلى الملاحظة، ووضع النظريات، وفك شفرات ألغازها وهو أسلوب لطالما سحر جمهورها وأبقى عالمها حيًا حتى بعد إسدال الستار على المشهد الأخير.

Reanimal 04

أسلوب اللعب

تقدم اللعبة شخصيتين رئيسيتين قابلتين للعب، ما يمنح اللاعب مرونة واضحة في طريقة خوض التجربة. يمكن لعبها بالكامل بشكل فردي، حيث يتولى الذكاء الاصطناعي التحكم بالشخصية الثانية، إلا أن التجربة تبلغ ذروتها الحقيقية عند لعبها بشكل تعاوني مع شخص تعرفه. مشاركة التوتر والخوف ولحظات المرح القليلة، بالتزامن مع محاولة كشف أسرار هذا العالم المشوّه وكيف وصل إلى هذه الحالة، تضيف بُعدًا عاطفيًا أعمق للتجربة.

تُقدّم اللعبة مجموعة من الآليات الجديدة التي تمنح أسلوب اللعب إحساسًا واضحًا بالتطور والتجديد. وسيلتك الأساسية للتنقّل عبر أرجاء الجزيرة هي قارب صغير يُعد العمود الفقري للاستكشاف. لا يقتصر دوره على التنقل فحسب، بل يُستخدم أيضًا لإنقاذ اصدقائهم العالقين في الجزيرة ومرافقتهم إلى برّ الأمان. يمتلك كل بطل أدواته الخاصة التي تعزز دوره المميّز داخل التجربة. أحدهما يحمل مصباحًا يدويًا كمصدر رئيسي للإضاءة إلى جانب سكين للدفاع عن النفس، بينما يعتمد الآخر على ولاعة غاز وفأس لمواجهة الأخطار. ومع التقدم عبر الفصول، تتوفر أدوات إضافية تساعد على تجاوز العوائق وحل الألغاز، مثل العتلة لفتح الأبواب وفتحات التهوية والخزائن، وأداة لقطع السلاسل، إضافة إلى حراب مثبتة على القارب للقضاء على الكائنات البحرية وتطهير الطريق من الألغام.

للمرة الأولى في تاريخ الاستوديو، تتيح لك اللعبة التحكم الكامل بالمركبات. ومن اكثر اللحظات التي تترك أنطباعاً مميزا في اللعبة مشهد مطاردة تضمن الهروب باستخدام عربة آيس كريم، والذي يقدّم جرعة من الفوضى والتوتر والإثارة ليُصبح واحدًا من أكثر الجزئيات التي ترسخ التجربة في الذاكرة.

Reanimal 03

الإخراج الفني

 استوديو Tarsier Studios من أكثر المطورين موهبةً عندما يتعلق الأمر بالإخراج الفني، لا سيما في إتقانه للطرح السينمائي داخل اللعبة. يتلاعب الاستوديو بزوايا الكاميرا بمهارة لتعزيز السرد، مستخدمًا نظام تصوير ديناميكي يعرف تمامًا متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يغيّر زاوية الرؤية من أجل تضخيم الثقل العاطفي لكل مشهد.

مشاهد المطاردة ولحظات الخطر الوشيك تُقدَّم بإخراج متقن على وجه الخصوص. ففي المساحات المفتوحة، غالبًا ما تبتعد الكاميرا لتُبرز هشاشة الشخصيات وضآلة حجمها مقارنةً بالعالم والمخلوقات المرعبة من حولها، بينما تُستخدم زوايا أقرب وأكثر ضيقًا عند الركض باتجاه الكاميرا، ما يعزّز الإحساس بالتوتر والاختناق. كما يتفوق الاستوديو في توظيف الصمت والانتقالات البصرية الخافتة كأدوات مؤثرة بحد ذاتها. فهذه اللحظات الهادئة والممتدة قد تنقلب فجأة إلى رعب طاغٍ، ناقلةً اللاعب من شعور القلق الهادئ إلى ذروة الذعر خلال ثوانٍ معدودة. هذه السيطرة الدقيقة على الإيقاع والمزاج العام هي ما يجعل الإخراج الفني لدى Tarsier Studios يصل إلى مرحلة متكاملة. 

Reanimal 02

التجربة التعاونية

يبدو اللعب التعاوني في Reanimal وكأنه ركيزة أساسية في التصميم، وليس مجرد خيار إضافي. صحيح أن اللعبة قابلة للعب بالكامل بشكل فردي، لكن خوضها مع لاعب آخر يضيف لمسة مختلفة من حيث التوتر والاندماج. العديد من الألغاز والمواجهات صُممت بوضوح حول فكرة التعاون، حيث يصبح التواصل وضبط التوقيت لا يقلان أهمية عن المهارة نفسها لاعب يضيء الطريق و يغطّي مصادر الخطر بينما يتقدم الآخر للأمام.

ما يميز التجربة التعاونية حقًا هو أثرها العاطفي. الخوف يتضاعف حين يتم مشاركته، والشعور بالمسؤولية تجاه شريكك يخلق ضغطًا دائمًا داخل عالم معادٍ بطبيعته. اللحظات الهادئة تصبح أكثر ثقلاً، والمخاطر المفاجئة أكثر فوضوية، والتقدم أكثر قيمة ومعنى. بدل أن تكون مجرد مشاركة للشاشة، يحوّل اللعب التعاوني Reanimal إلى تجربة بقاء مشتركة تعزز بشكل طبيعي ثيمات الهشاشة والثقة التي يرتكز عليها عالم اللعبة.

Reanimal 05

الجانب التقني

جميع المشكلات التي واجهتها أثناء تجربتي للنسخة التجريبية تم حلّها بالكامل في الإصدار النهائي. مشاكل مثل انخفاض معدل الإطارات أو صعوبة تنفيذ بعض الأفعال كأرساء القارب الذي كان يتطلب الوقوف في نقاط محددة جدًا لم تعد موجودة.

في حالتها الحالية، تعمل اللعبة بسلاسة واستجابة عالية، دون أي عوائق تقنية ملحوظة تعكّر صفو التجربة. وعلى منصة الحاسب الشخصي تحديدًا، يأتي الأداء مستقرًا ومحسنًا بشكل جيد، تأتي اللعبة ايضا داعمة لوحدات تحكم DualSense بخاصية haptic feedback لتعطي شعوراً افضل بالتجربة. 

* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.

الإيجابيات

السلبيات

التقييم النهائي

مع Reanimal، يثبت Tarsier Studios أنه قادر على الموازنة بين الابتكار والحفاظ على هويته الفنية. اللعبة تخلق عالمًا وحشيًا وغامضًا يأسرك منذ اللحظة الأولى، مع سرد قصصي متقن يعتمد على البيئة، الصوت، والتفاصيل الصغيرة التي تضيف عمقًا للتجربة. اللعب التعاوني هنا ليس مجرد خيار، بل تجربة مركزية تزيد من التوتر والإثارة، مع اضافات تستحق الاشادة كقيادة المركبات التي تم توظيفها بشكل ممتاز. الإخراج السينمائي رائع، مع كاميرات متقنة وتوجيه مشاهد يرفع من مستوى التوتر والاندماج. القصة نفسها تفتح الباب للألغاز والتساؤلات، ما يجعلها فرصة مثالية لبناء سلسلة مستقبلية من عدة أجزاء.

9.5

مُراجع
لاعب منذ أوائل الألفينات، شغوف بعالم الألعاب وتحليل أنظمتها وأفكارها وتصميمها الفني، أسعى إلى اكتشاف تجارب جديدة ذات قيمة حقيقية، مع اهتمام خاص بألعاب الإندي والتجارب السردية الجريئة وغير المألوفة.

    1 Comment

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *