المقدمة
مشروع Mouse يُعد واحدًا من أجمل قصص تطوير الألعاب في السنوات الأخيرة، إذ بدأ كمجرد تجربة بسيطة تهدف إلى استعراض التوجه الفني، مع تصاميم أولية للأسلحة والشخصيات مستوحاة من كارتونات الزمن الجميل.. لكن المفاجأة كانت أن الاستوديو البولندي لم يكن يتوقع أن يحقق هذا العرض القصير كل تلك الضجة، حيث حصد إشادة واسعة وترحيبًا كبيرًا من اللاعبين، ما دفع الفريق إلى التوسع في المشروع والاستثمار فيه بشكل أكبر.
وكان من أبرز العوامل التي ساهمت في ذلك هو دخول عالم Steamboat Willie إلى الملكية العامة في مطلع عام 2024، بعد انتهاء حقوق The Walt Disney Company عليه، وهو ما أتاح للمطورين حرية استخدام الطابع الفني الكلاسيكي وشخصياته دون القلق من القيود القانونية التي كانت مفروضة سابقًا.

القصة
يلعب دور البطولة جاك بيبر، جندي سابق قرر أن يترك ماضيه خلفه ويبدأ حياة جديدة كمحقق خاص في ضواحي مدينة Mouseberg. تبدأ الأحداث عندما يتولى التحقيق في قضية اختفاء الساحر الشهير ستيف بانديل، الذي اختفى بشكل غامض أثناء تقديم أحد عروضه.
الأمور تزداد تعقيدًا مع اكتشاف مقتل مساعدته بيتي، وهي الحادثة التي تشكل نقطة تحول محورية في القصة. فمع التقدم في التحقيق، يتضح أن اختفاء ستيف ليس حادثة عابرة، بل مرتبط بمحاولته اليائسة لإعادة إحياء بيتي، حتى لو كان ذلك عبر تحويلها إلى مجرد آلة أو كيان معدني خالٍ من الإنسانية.
لكن ما قد يتبين لك في البداية كقضية اختفاء بسيطة، سرعان ما يتحول إلى شيء أكبر بكثير. تتوسع القصة لتكشف عن شبكة معقدة من العلاقات، تضم تحالفات خفية، وفسادًا مستشريًا، وجرائم اختطاف وقتل. يجد جاك نفسه في مواجهة عصابات خطيرة، إلى جانب عناصر فاسدة داخل جهاز الشرطة، في رحلة لكشف الحقيقة وفك خيوط مؤامرة متشابكة.
القصة يُحسب لها عدة أمور، أهمها أن تصنيف Boomer Shooter غالبًا ما يركز على أسلوب اللعب ويهمل جانب القصة والحوارات، لكن Mouse لم تقدم قصة قوية فقط، بل تطرقت إلى جانب مظلم لا نراه في العادة في الألعاب التي تحمل توجهًا فنيًا كرتونيًا.

أسلوب اللعب
تقدم Mouse P.I. for Hire تجربة تصويب من منظور الشخص الأول ضمن تصنيف Boomer Shooter، وهو التصنيف الذي أعاد إحياء روح ألعاب الأكشن الكلاسيكية وقدم لنا تجارب مميزة مثل Prodeus وMullet MadJack، بل وتمكن في بعض الأحيان من تقديم متعة تتفوق حتى على عناوين ضخمة مثل Doom: The Dark Ages.
تسعى اللعبة إلى إرضاء عشاق الأكشن السريع والعنيف، مع إضافة لمسة خاصة تتمثل في عناصر التحقيق، حيث لا يقتصر دورك على القتال فقط، بل يشمل الاستكشاف، جمع الأدلة، وفهم ما يجري في هذا العالم الغامض. توفر اللعبة ترسانة تضم ما يقارب 10 أسلحة، جميعها تتميز بأسلوب استخدام فريد، بدءًا من المسدسات التقليدية، مرورًا بأسلحة Shotgun، وصولًا إلى الأسلحة الرشاشة السريعة مثل Tommy Gun. كل سلاح يمنحك إحساسًا مختلفًا ويشجعك على تنويع أسلوبك في القتال.
ولا يتوقف التنوع عند الأسلحة فقط، بل يمتد إلى القتال القريب، حيث يمكنك استخدام اللكمات والركلات بطريقة ممتعة وسلسة. وتبرز إحدى الأفكار الطريفة عندما يتناول جاك علبة سبانخ، فيتحول إلى شخصية قوية مفتولة العضلات، قادرة على القضاء على الأعداء باستخدام اللكمات فقط، في لحظات مليئة بالحماس.
اللعبة لا تخلو من اللمسات الإبداعية، مثل مشهد احتساء القهوة، حيث تتحول أصابع الشخصية إلى ما يشبه المسدس لإطلاق القهوة على الأعداء، وهي فكرة تعكس روح اللعبة الكرتونية وتضيف تنوعًا مرحًا إلى أسلوب اللعب. الأفكار المتجددة الرهيبة التي تأتي بها اللعبة في أوقات مناسبة تحافظ على الإيقاع السريع، وتكسر الشعور التقليدي لألعاب التصويب عبر مواقف ومهارات غير متوقعة، ولا يمكن التنبؤ بها. مثل هذه الأمور جعلت اللعبة عبقرية من حيث كسرها لجدية القصة بأسلوب ذكي. حيث تعتمد اللعبة على ميكانيكية تعزيز مؤقت تشبه فكرة Popeye “پپاي” مع السبانخ، تمنح الشخصية قوة إضافية لفترة محدودة.

تصميم المراحل
تعتمد Mouse P.I. for Hire على تصميم مراحل خطي في الأساس، مع توفير قدر مناسب من الحرية لاستكشاف البيئة بحثًا عن الأسرار والمقتنيات، إضافة إلى إمكانية فتح طرق مختصرة (Shortcuts) تسهّل التنقل داخل المراحل وتمنح اللاعب شعورًا بالتقدم الذكي.
واحدة من أبرز الإضافات في تصميم اللعبة هي وجود منطقة مركزية يمكن اعتبارها مقر عملياتك، حيث تعود إليها بين المهمات. تضم هذه المنطقة مكتب التحقيق الخاص بك، والذي يُستخدم لعرض الأدلة وربط الخيوط ببعضها، في أسلوب تفاعلي يمنح اللاعب دورًا فعليًا في تحليل القضية والتقدم في القصة. كما تحتوي المنطقة على متجر يوفر مجموعة متنوعة من العناصر، تشمل عتاد الأسلحة، بالإضافة إلى مقتنيات قابلة للجمع مثل بطاقات البيسبول، الجرائد، ومجلات القصص المصورة Comics، مما يشجع على العودة باستمرار إليه لرؤية أي جديد قد يمتلكه.
من جهة أخرى، تقدم شخصية Tammy ورشة خاصة لتطوير الأسلحة، وهو نظام يتجاوز التحسينات التقليدية. فإلى جانب زيادة الضرر وسعة الذخيرة، تمنح أول ترقية لكل سلاح قدرة فريدة تغيّر طريقة استخدامه بشكل ملحوظ. على سبيل المثال، يتحول المسدس إلى سلاح قادر على إطلاق ثلاث رصاصات دفعة واحدة، بينما يتطور سلاح الحمض من مجرد أداة إذابة للأعداء إلى قنبلة تنتشر على الأرض، محدثة ضررًا واسع النطاق. ولا تخلو المنطقة الرئيسية من الحياة، حيث تضم الحانة عددًا من الشخصيات المهمة في القصة، مثل كورنيليس، الصحفية واندا، ومسؤول الحانة جون، إلى جانب شخصيات أخرى تنضم تدريجيًا مع تقدمك، ما يعزز الإحساس بتطور العالم وتفاعله مع مجريات الأحداث. أما وسيلة التنقل الرئيسية للذهاب إلى المهمات فهي سيارة Cossack المشهورة في حقبة الثلاثينيات.

المحتوى الجانبي
متنوع بشكل جميل، حيث يشمل أغراضًا تقوم بجمعها من خلال قصص مصورة قصيرة تدور أحداثها ضمن نفس العالم، بالإضافة إلى الجرائد التابعة لصحيفة Herald News التي تسرد بعض الأحداث التي وقعت في الماضي. كما تتوفر بطاقات البيسبول المخبأة بعناية في أرجاء المراحل.
أبدع الاستوديو في تصميم المراحل بطريقة تجعل البحث عن هذه المقتنيات تجربة ممتعة وتستحق العناء، وليس مجرد جمع تقليدي. أما المهمات الجانبية، فقد كانت ممتازة للغاية، حيث تفتح لك مناطق جديدة داخل الخريطة، وتقدم قصصًا وقضايا إضافية تضيف قيمة أكبر وتطيل من عمر اللعبة وتغني القصة التي يتم سردها، خصوصًا وأن هذه القضايا لها ارتباط متين بالقضية الأساسية. لذلك، أنصح دائمًا قبل التوجه إلى مهمة القصة الرئيسية أن تتحدث مع أي شخصية متواجدة في المنطقة، فقد تمتلك مهمة جانبية يمكنك إنجازها بالتزامن مع تقدمك. كذلك الانتباه إلى أن بعض المهمات الجانبية قد تحصل عليها أثناء تنفيذ مهمات القصة نفسها.
وبالنسبة لعشاق الألعاب المصغرة Mini-Games، فهناك واحدة من أكثر ألعاب البطاقات متعة. لم أتوقع أبدًا أن تعجبني لعبة مبنية على فكرة قريبة من كرة القدم الأمريكية إلى هذا الحد. تعتمد اللعبة على مبدأ مشابه للبيسبول، وتنقسم إلى جولتين:
في الجولة الأولى تلعب بدور الضارب Batter، حيث تحتاج لاستخدام بطاقة ذات أرقام أعلى من اللاعب الذي يرمي الكرة. كل جولة تتكون من 10 راوندات:
– 5 منها تلعب فيها كـ Batter لمحاولة تسجيل نقطة عبر المرور بجميع القواعد.
– و5 تلعب فيها كـ Pitcher لمنع الخصم من ضرب كراتك.
في كل راوند يمكنك استخدام بطاقة لاعب وبطاقة تعزيز لإحصائياته، مع حرية عدم استخدام كلتا البطاقتين، حيث يمكنك أحيانًا التضحية ببطاقة ضعيفة لسحب بطاقة أفضل.. هذه اللعبة المصغرة نالت إعجابي بشكل كبير، لدرجة أني لعبتها أكثر من 60 مرة، ليس فقط لأن الجائزة التي تحصل عليها بعد عدد معين من الانتصارات تستحق وقتك، بل لأن الحصول على بطاقات جديدة يجعل التجربة أكثر متعة مع مرور الوقت، خصوصًا مع تنوع الخيارات المتاحة.

الأداء الصوتي
لا جدال في أن الأداء الصوتي في Mouse P.I. for Hire يقارع أعمالًا ضخمة في الساحة، خاصة مع تواجد أسماء لامعة مثل Troy Baker، الذي تجاوز كونه مجرد ممثل صوتي ليصبح أيقونة في هذا المجال. فمن الصعب تخيل نجاح العديد من الألعاب دون بصمته، وهنا يقدم واحدًا من أقوى أدواره.
تجسيده لشخصية جاك بيبر يُعد، بالنسبة لي، من بين أفضل ثلاثة أدوار في مسيرته إن لم يكن الأفضل على الإطلاق. الأداء الممتاز يجعلك تشعر وكأن هذه اللعبة ربما تكون إحدى تلك الألعاب التي كان تروي مستمتعًا للغاية وهو يقوم بتأدية الدور، مع تباين نبرات الصوت من الحادة إلى طبقات أخرى هزلية، مع تنوع واضح في الإلقاء يعكس اختلاف المواقف وتعدد اللهجات داخل الحوارات. وبالطبع، لا يقل باقي طاقم التمثيل الصوتي أهمية، حيث تقدم شخصيات مثل واندا، كورنيليس، فيفيان، وتامي أداءً يلفت الانتباه ويمنح كل شخصية حضورًا مميزًا ومختلفًا.
يوجد في اللعبة عدد كبير من الإشارات References التي فاجأتني، ليس فقط بالطريقة التي أُدرجت بها، بل كذلك باختيار العناوين التي تأخذ منها بعض الاقتباسات، بدءًا من مشاهد أيقونية وجُمل مستوحاة من ألعاب وأفلام ومسلسلات أخرى. الأجمل في الأمر أنها لم تبدُ مقحمة أو مصطنعة، بل جاءت مندمجة بسلاسة داخل عالم اللعبة وكأنها جزء طبيعي منه.
من أبرز هذه الإشارات تكريم لسلسلة Resident Evil، مثل لافتة عيد ميلاد ليون داخل مركز الشرطة، والتي بالتأكيد ستجعل محبي رزدنت إيفل سعداء جدًا. كما أن هناك مراحل مستوحاة من أجواء DOOM من حيث التصميم والإيقاع السريع. أما الإشارة إلى Indiana Jones، فكانت من أفضل الاقتباسات، لأنها لم تكن مجرد تلميح بصري، بل تم توظيفها بشكل ذكي لخدمة أسلوب اللعب، حيث تُستخدم لتعليمك إحدى مهارات الحركة عبر استخدام الذيل كأنه سوط للتنقل والتشبث بين النقاط.. وبالطبع، هناك الكثير من الإشارات الأخرى التي لم أذكرها، وأفضل تركها لك لتكتشفها بنفسك أثناء اللعب.

التوجه الفني
يعتمد التوجه الفني في اللعبة على استلهام مباشر من حقبة الكارتونات الكلاسيكية، وتحديدًا تلك التي ظهرت في أواخر العشرينيات، مثل أعمال Mickey Mouse في عام 1928، حيث كانت معظم الرسوم آنذاك تعتمد على اللونين الأبيض والأسود فقط. لكن هذا التوجه ليس بالبساطة التي قد يبدو عليها، بل يتطلب جهدًا هائلًا وساعات عمل طويلة للوصول إلى نتيجة مقنعة. فقد حرص الاستوديو على أن يبدو كل شيء في اللعبة وكأنه مرسوم يدويًا، وهو ما لم يكن مبالغة عندما صرّحوا بأن اللعبة تحتوي على أكثر من 7500 حركة Animation منفصلة. حتى الأسلحة لم تكن استثناءً، حيث يحتوي كل سلاح على عشرات الإطارات المرسومة بعناية ليحافظ على الهوية البصرية العامة. هذا الاهتمام بالتفاصيل يظهر بشكل واضح في نظام تطوير الأسلحة، حيث لا تقتصر الترقيات على تحسين الأداء فقط، بل تضيف تغييرات بصرية أيضًا، مما يجعل كل ترقية محسوسة من الناحية الجمالية.
الأمر يمتد حتى إلى تصميم الرصاص نفسه، حيث يختلف شكله وحركته من سلاح إلى آخر. مثل هكذا تفاصيل قد لا يعيرها أغلب اللاعبين اهتمامًا كافيًا، لكنها تزيد من تقديرك لجهود فريق الأنيميشن لعنايته بتلك التفاصيل الدقيقة.

الموسيقى
تلعب الموسيقى دورًا رئيسيًا في إعادة إحياء أسلوب أنيميشن Rubber Hose، وهي من الألعاب القليلة التي نجحت في كسر الحاجز بين الألعاب والأنيميشن، لدرجة تجعلك تشعر وكأنك داخل مسلسل كرتوني حي، وليس مجرد لعبة.
يعتمد التوجه الموسيقي بشكل كبير على موسيقى الجاز، وهو اختيار موفق يتماشى تمامًا مع الحقبة الزمنية التي تستوحي منها اللعبة. وقد أبدع الفريق المسؤول عن الموسيقى في تقديم مزيج متوازن بين مقطوعات كلاسيكية تذكرنا بأعمال الكرتون القديمة، وأخرى جديدة تم تأليفها خصيصًا للعبة، مما يمنحها هوية صوتية خاصة ومميزة.
أحد أبرز نقاط قوة الموسيقى هو قدرتها على التكيف مع مجريات اللعب، حيث تتغير النغمة بسلاسة بحسب الموقف، فتتحول إلى إيقاعات سريعة ومكثفة خلال مشاهد الأكشن، بينما تهدأ وتصبح أكثر خفة خلال لحظات الاستكشاف أو عند التواجد في مناطق ذات طابع غامض.
* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- أسلوب لعب ممتع جدًا، يزداد تنوعًا مع كثرة الأسلحة وتعدد ميكانيكيات القتال.
- موسيقى مميزة تنجح في نقل أجواء Noir بشكل رائع، مع موسيقى الجاز التي تعزز الإحساس بالحقبة الزمنية.
- أنيميشن خيالي بفضل الاعتماد على الرسم اليدوي واهتمام دقيق بكل حركة.
- مواجهات زعماء مبتكرة، بعضها يكسر النمط التقليدي ويستغل أفكارًا مختلفة مثل القتال باستخدام الكشاف (أحسست عند مواجهة الزعيم الذي يعتمد على فكرة الضوء لهزيمته بنفس شعور لعبة Luigi Mansion)، وزعماء آخرون تتطلب هزيمتهم استخدام عناصر البلاتفورمنغ بدلًا من القتال باستخدام الأسلحة.
- تمثيل صوتي مميز، خصوصًا Troy Baker الذي أبدع في تجسيد الشخصية.
- رغم خطية التجربة، إلا أن تصميم المراحل يشجع على الاستكشاف ويقدم مهمات جانبية متنوعة.
- محتوى جانبي عالي الجودة ومرتبط بشكل ذكي بالقصة الرئيسية.
- لعبة البطاقات المصغرة ممتعة جدًا وتقدم مكافأة سخية لمن يستثمر فيها.
السلبيات
- لا توجد أي سلبيات، لكني تمنيت لو أن اللعبة كانت أصعب قليلًا عند اللعب بأعلى صعوبة.
لعبة Mouse P.I. For Hire واحدة من ألعاب قليلة جدًا التي عند انتهائك منها لن تجد أي لعبة مشابهة لها، عوامل عديدة ساهمت بكونها تجربة فريدة من نوعها، أبرزها استخدامها لتوجه فني لم يسبق أن رأيناه يُطبق بهذه الكيفية، ما جعل مظهر اللعبة أشبه بمسلسلات الكارتون الكلاسيكية.
موسيقى الجاز الرائعة وأسلوب اللعب الممتع، دون أن أنسى روعة القصة وأداءً صوتيًا من أفضل ما يكون، جعلت من لعبة Mouse تجربة تعيشها ولا تلعبها فقط
