المقدمة
في عرضها الأخير، لم تكتفِ سوني بالكشف عن ريميك ثلاثية God of War الأصلية، بل صدمت الجمهور بلعبة جديدة كليًا تتبنى توجهًا مختلفًا عما اعتدناه من السلسلة. الإعلان لم يكن مجرد مفاجأة عابرة، بل لحظة بارزة في الحدث كله، خصوصًا أنه يوحي بأن السلسلة تستعد لمرحلة إعادة تقديم جريئة مع الحفاظ على هويتها العريقة. المشروع من تطوير Mega Cat Studios وتحت إشراف مباشر من Santa Monica Studio.
إصدار مثل God of War Sons of Sparta هو ما يجب على بلايستيشن أن تتخذه، خصوصًا أن استوديوهاتها الكبيرة مشغولة بتطوير عدة عناوين ضخمة، ووجود مثل هذه المشاريع أمر مهم لسد الفجوة الزمنية بين الإصدارات، وحتى لا تصل إلى مرحلة تعتمد فيها الشركة على حصرية أو اثنتين خلال عام كامل، بالإضافة إلى تقليل الاعتماد على عقود الطرف الثاني الحصرية، رغم أن معظم هذه العقود الهدف منها استقطاب الفئة المحبة لجهاز بلايستيشن والاستفادة من حماس اللاعبين أثناء فترة الإطلاق.
مثل هذه الإصدارات التي تحمل طابع الألعاب المستقلة أو ألعاب بميزانية AA لها دور مهم لعدة أسباب، منها عدم انقطاع بعض السلاسل لفترات طويلة، وأيضًا التكلفة مقارنة بالعائد المادي. وحتى لو لم يستطع الاستوديو الرئيسي تخصيص عدد معين من مطوريه للعمل على مثل هذه المشاريع، يمكن الاستعانة باستوديوهات أخرى والإشراف على العمل في الوقت نفسه.

القصة
الأحداث تعود إلى زمن اليونان القديمة لتستعرض مرحلة غير معروفة سابقًا من حياة Kratos في شبابه قبل أن يدخل مرحلة الأبوة. القصة تُحكى بصيغة استرجاعية يرويها كريتوس الأكبر سنًا لابنته كاليوب، ما يمنح السرد طابعًا وجدانيًا وتأمليًا، خصوصًا أن شخصية كريتوس الكبير لا تسرد القصة مرة واحدة، إنما يتم إلقاؤها بشكل يتناسب مع الأعمال التي تعتمد على الراوي، حيث لا نجده يستبق الأحداث، بل على العكس ستشهد الحدث بنفسك ثم تسمع مداخلات ابنته وأسئلتها ودوافع بعض الأفعال. الشرارة الأولى تبدأ باختفاء متدرب صغير في ظروف غامضة، فينطلق كريتوس مع شقيقه Deimos في رحلة تكشف معاني الشرف والانضباط والواجب، وتُظهر الأسس التي شكلت شخصيته لاحقًا. الجميل أن القصة تسرد جانبًا ظل لسنوات غير مستكشف في تاريخ الشخصية، ونعرف أيضًا أن جانب كريتوس الذي يهتم بعائلته لم يكن جديدًا عليه، فمن أكثر الأمور التي أبدعت اللعبة في تجسيدها علاقة الأخوين، وكيف أن كريتوس كان دائمًا بجانب أخيه رغم تهوره وطيشه.
أسلوب اللعب والتصميم
رؤية السلسلة بمنظور ثنائي الأبعاد قد تبدو خطوة غير متوقعة ومجازفة محفوفة بالمخاطر، لكنها جاءت أفضل مما قد يتخيل البعض. القتال يمنح إحساسًا قويًا بالضربات، سريع الإيقاع لكنه يحمل ثقلًا واضحًا في التأثير، ما يحافظ على طابع السلسلة العنيف. كذلك يعتمد تصميم المراحل على أسلوب استكشافي يتسم بطابع الميترويدفينيا، إذ تعود لمناطق سابقة بعد اكتساب مهارات أو أدوات جديدة لتفتح مسارات وأسرارًا لم تكن متاحة من قبل، وهو ما يمنح التجربة قيمة أكبر ويشجع على الاستكشاف بدل الاكتفاء بالتقدم الخطي.

أسلوب Metroidvania
هذا التوجه ليس جديدًا تمامًا على سلسلة God of War؛ فمع عودتها في عام 2018 شاهدنا كيف تم توظيف بعض عناصر هذا الأسلوب بشكل غير مباشر، حتى إن كثيرين لم يلاحظوا ذلك بوضوح آنذاك. من ناحية أسلوب اللعب، يبدو هذا الاتجاه مناسبًا جدًا، وقد يشكّل إضافة قوية لهذا النوع من الألعاب، كما قد يشجع شريحة أوسع من اللاعبين على تجربتها سواء كانوا من محبي السلسلة القدامى أو ممن سيخوضون تجربتهم الأولى معها، خصوصًا أن أحداثها تجري في بداية الخط الزمني للقصة.
تباين الآراء حول اللعبة ما بين اللاعبين
في الوقت الذي أرى فيه شريحة واسعة من مجتمع اللاعبين الغربي تُشيد باللعبة وتثمّن جرأة فريق التطوير في تقديم تجربة مختلفة عن المألوف، خصوصًا مع محتوى يمتد قرابة 20 ساعة وسعر يُعد مقبولًا مقارنة بما تقدمه، أجد نفسي أتوقف عند ردود الفعل في بعض الأوساط العربية، لا بدافع الصدمة بل بدافع التساؤل. فالأعمال التي تتبنى توجهًا فنيًا غير تقليدي غالبًا ما تحظى بالتقدير حين يُنظر إليها من زاوية التجربة الكاملة لا من زاوية التوقعات المسبقة، والسلسلة نفسها لم تكن يومًا جامدة في أسلوب طرحها، بل اعتادت إعادة تعريف ذاتها عبر الزمن. من خاض التجربة فعليًا يدرك أن هذا الطرح يُعد قراءة منطقية لمرحلة عمرية مختلفة للشخصية، حيث يُقدَّم كريتوس في سياق أكثر إنسانية قبل أن يبلغ ذروة قوته ومكانته التي عرفناها في الأجزاء اللاحقة. إنها معالجة تسعى لفهم البدايات لا إعادة استنساخ النهايات.
من الطبيعي أن تختلف الآراء، فالاختلاف صحي ويُثري النقاش، لكن من المهم أن يستند النقد إلى تجربة مباشرة أو تحليل متأنٍ لا إلى انطباعات منقولة أو أحكام متعجلة. فالنقد حين يكون واعيًا وعادلًا يضيف قيمة حقيقية، أما حين يتحول إلى رفض مسبق فإنه يفقد عمقه وتأثيره. في النهاية، تظل التجربة الشخصية هي الفيصل، وكل عمل فني يستحق أن يُمنح فرصة تُقاس بمعاييره الخاصة لا بما اعتدنا عليه فقط.

أسلوب القتال
في هذا الجزء يعتمد Kratos على الرمح والدرع كسلاحيه الأساسيين، وهما سلاحان يعكسان هويته كمحارب ضمن نظام تدريب الـAgoge السبارطي. أسلوب القتال يذكّر كثيرًا بأحدث إصدارات سلسلة God of War؛ فكل ضربة تحمل وزنًا واضحًا وتوقيتًا دقيقًا، ويؤدي الصد دورًا محوريًا في مجريات المواجهات. ورغم أن وتيرة القتال أبطأ نسبيًا من بعض الألعاب التي تنتمي لنفس التصنيف، فإن ذلك يمنح الاشتباكات طابعًا تكتيكيًا أكثر تركيزًا. يمكن تنفيذ مجموعة متنوعة من المهارات كما هو معتاد في السلسلة، ويتم الحصول عليها بالطريقة التقليدية عبر إنفاق الـBlood Orbs.
وتنقسم المهارات إلى مسارين: مهارات هجومية وأخرى دفاعية، ما يتيح للاعب اختيار أسلوب القتال الذي يناسبه. كذلك يمكن تطوير أجزاء الرمح “النصل، المقبض، القبضة” للحصول على قدرات إضافية، وينطبق الأمر نفسه على تخصيص أجزاء الرمح والدرع لخلق تأثيرات مختلفة على الأعداء عند ضربهم بشكل متتالٍ، مثل التسميم أو التجميد لإبطاء حركتهم. الأعداء بدورهم يمتلكون أنماط هجوم مميزة تُعطى عبر إشارات بصرية نابضة حولهم تساعد اللاعب على فهم كيفية التعامل مع الضربة القادمة. على سبيل المثال، إذا ظهر وهج بنفسجي حول العدو فهذا يعني أن هجومه التالي لا يمكن تفاديه أو صده أو صده المعاكس، والحل الوحيد هو الابتعاد عنه في التوقيت المناسب.

تصميم العالم
تشعر بأن التحول الذي شهدته اللعبة أعاد تصورها بشكل مختلف دون أن تتخلى عن إرثها العريق. الحقبة اليونانية تبدو آسرة، والعالم نابض بالحياة وغني بالتفاصيل، خصوصًا مع الخلفيات المفعمة بالحيوية التي تجعل كل مشهد يبدو ساحرًا. هذا جعلني أكثر اقتناعًا بأن على Sony الاستثمار أكثر في مثل هذه المشاريع لعناوينها، فحتى سلسلة God of War يمكنها أن تبلغ مستويات تميز جديدة عندما تُسند المهمة إلى استوديو قادر ومبدع. النتيجة كانت تجربة عالية الجودة دون الحاجة إلى ميزانية إنتاج باهظة.
كريتوس يستخدم بعض الأدوات بجانب الرمح والدرع للتقدم في القصة واستكشاف أماكن جديدة، أهمها تمثال ليكورغوس الذي له استعمالات عديدة، مثل تتبع مكان الشخص والكشف عن الممرات السرية وسحب الغازات السامة وفتح الأبواب. المقلاع لضرب بعض الوحوش وتفعيل وتحريك المنصات. قنابل حارقة للتخلص من النباتات الشائكة وحل بعض الألغاز. سيف ثقيل لتحريك الأغراض الثقيلة من مكانها. حذاء يُستخدم لجعل كريتوس يجري بسرعة كبيرة ويقفز لمسافات بعيدة، وغيرها من الأدوات الأخرى. يمكن ترقية جميع هذه الأدوات إلى جانب الرمح والدرع لزيادة فعاليتها وتعزيز خصائصها وفتح أساليب جديدة للاستفادة من قدراتها.

المحتوى الجانبي
استمتعتُ كثيرًا بالمحتوى الثانوي، سواء من ناحية تطوير الأسلحة والمعدات التي تتطلب جمع قرابين لتقديمها في المعابد، أو عبر كثرة العناصر التي قد تعثر عليها صدفة فتفتح لك مهامًا جانبية جديدة. كما تقدم اللعبة تحديات مميزة تدفع أسلوب اللعب إلى أقصى إمكاناته، وتجبرك على استخدام كل ما لديك من قدرات بدل الاعتماد على أسلوب واحد فقط.
التحديات تتنوع بين سباقات زمنية للوصول إلى نقطة محددة خلال وقت محدود، أو مواجهات ضد مجموعات من الأعداء بشروط خاصة. إضافة إلى ذلك، يوجد طور جانبي يُفتح لاحقًا باسم Pit of the Agonies، حيث يمكنك التعاون مع لاعب آخر يتحكم بشخصية Deimos على نفس الشاشة، في نمط قريب من أسلوب الروغ-لايت، تقاتلان فيه معًا للصمود لأطول فترة ممكنة.
الموسيقى
يعود الملحن الشهير Bear McCreary، المسؤول عن الألحان التي لا يختلف اثنان على جمالها في God of War Ragnarök، ليقدم لنا هنا مقطوعات رائعة تمزج بين فخامته الأوركسترالية المعهودة ولمسة كلاسيكية بطابع ريترو مميز يضفي على التجربة هوية سمعية فريدة.
الأداء الصوتي
في أغلب الأحيان، لا تعطي ألعاب المترويدفينيا اهتمامًا كبيرًا لجانب التمثيل الصوتي، إذ تركّز أساسًا على أسلوب اللعب وسرد القصة عبر المخطوطات والسرد البيئي. لكن هنا نشهد طاقم أداء مخضرمًا للغاية، مع عودة أسماء لامعة، أبرزهم TC Carson الذي يؤدي دور Kratos الكبير بصفته راوي القصة، إلى جانب عودة ممثل كريتوس الشاب الذي عرفناه في جزأين سابقين، حيث يتقمص الشخصية ببراعة ويمنحها حضورًا طاغيًا. وبالتأكيد، لم يكن ذلك حكرًا عليهما، إذ حظيت بقية الشخصيات أيضًا بأداء مميز.

الترجمة والدبلجة الصوتية
الترجمة العربية جيدة جدًا، خصوصًا عند قراءة المعلومات المتعلقة بالعالم والمخلوقات والشخصيات، لكنها تعاني من بعض المشاكل التقنية والإملائية. فبعض الكلمات تظهر بأحرف مبعثرة، وأخرى تحتوي أخطاء إملائية؛ على سبيل المثال تُكتب كلمة ثانية أحيانًا بشكل خاطئ مثل ثانيت. كذلك اسم المتحدث يُعرض أحيانًا بصيغة مقلوبة.. فبدلًا من ظهور The Oracle بشكل صحيح، يظهر مثلًا oracle the. المثير للاستغراب أن اسم الشخصية نفسها يُعرض بالعربية بشكل طبيعي أثناء الحوارات، وفي الوقت نفسه عندما يتحدث ذات الشخص تجد اسم المتحدث بالانكليزية.
أما الدبلجة الصوتية، فهي للأسف بعيدة عن مستوى النص الأصلي، إذ تفتقد إلى القوة التعبيرية والاتقان الموجود في الأداء الصوتي الأساسي.
* تمت مراجعة اللعبة على PS5 بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- أسلوب الميترويدفينيا متقن، حيث يتم تقديم أدوات وأساليب لعب جديدة بنسق متوازن، وهو الأمر الذي يميز هذا التصنيف.
- أسلوب اللعب هو مزيج لأساليب لعب مختلفة ما بين سرعة الأسلوب القديم واللعب التكتيكي، مقتبس بشكل كبير من أسلوب اللعب الذي شهدناه في جزأيها الأخيرين.
- القصة لا تتمحور فقط حول مجرد رحلة بحث عن شخص معين، بل نراها تقارن كيف اختلف تفكير كريتوس ما بين فترة شبابه وعند بلوغه فيما يتعلق بقيم مثل الواجب والولاء والأخوة.
- موسيقى فريدة من تأليف المبدع Bear McCreary.
- حضور صوتي طاغٍ.
- أرى أن اللعبة قدمت محتوى يبرر السعر الذي يُدفع مقابلها (20 ساعة وأكثر من المحتوى).
- التوجه الفني الكلاسيكي.
- وفرة المحتوى الجانبي الذي سجل حضوراً قوياً ولم يقتصر فقط على زيادة عمر اللعبة.
- إعادة تقديم بعض الزعماء والمخلوقات الأيقونية بطريقة جديدة إلى جانب مخلوقات نراها لأول مرة في السلسلة.
السلبيات
- الترجمة العربية تحتاج إلى تعديل بعض النصوص، سواء في الحوارات أو في القوائم. في بعض الأحيان، عند قراءة القوائم تجد لغات أخرى غير اللغة الأساسية.
- إنهاء الأعداء والزعماء على وجه الخصوص لا يترك انطباعًا بدموية المعركة، وهذا الجانب كان دائمًا ملازمًا لجميع أجزاء السلسلة، مما يقلل من إحساس الانتصار عند إنهاء قتال ملحمي.
- التنقل السريع بين أرجاء الخريطة يقتصر فقط على التنقل بين المعابد، ولا يوجد تنقل بين المخيمات إلا في وقت متأخر من أحداث القصة.
تقدم God of War: Sons of Sparta تجربة ميترويدفينيا جريئة تُتقن قواعدها وتنجح في أصعب اختبار: إقناع عشاق السلسلة بأن التغيير لا ينتقص من الإرث. القتال يحافظ على ثقله وحدّته رغم الانتقال إلى بعد ثنائي الأبعاد، والقصة تكشف جوانب حاسمة من شخصية كريتوس قبل “شبح سبارتا”، مضيفة عمقًا حقيقيًا للعالم اليوناني.
تجربة واثقة ومركزة تثبت أن التجديد يمكن أن يكون امتدادًا للقوة لا خروجًا عنها، ليست محاولة لاستنساخ أمجاد السلسلة، بل قراءة جديدة لبداياتها، وتفتح شهية الترقب لما قد تقدمه Sony مستقبلًا.
