المقدمة
تأتي لعبة Darwin Paradox بفكرة رائعة، حيث نادرًا ما نرى لعبة عالية الجودة ببطولة أخطبوط، وربما كانت آخر تجربة بارزة من هذا النوع هي Octodad: Dadliest Catch قبل أكثر من عقد. ومع النجاح الكبير الذي حققته ألعاب تعتمد على حيوانات كشخصيات رئيسية مثل Stray، أصبح من المنطقي التطلع إلى المزيد من التجارب المشابهة بأفكار جديدة ومختلفة.
وهنا يأتي دور استوديو ZDT Studio الذي قدم لعبة يصعب تجاهلها، حيث نجح في تقديم تجربة 2D تجمع بين التسلل والمنصات بأسلوب مميز. تتميز اللعبة برسوم كرتونية فريدة وقصة خفيفة الظل، مما يمنحها طابع خاص يميزها عن غيرها ويجعلها تجربة لافتة للنظر.

القصة
تبدأ أحداث Darwin Paradox بمقطع دعائي تقدّمه شركة UFOOD Inc.، وهي شركة متخصصة في تقديم أطعمة مستوحاة من الكائنات البحرية. الفيديو يأتي بأسلوب ترويجي ساخر، حيث يمهّد لمنتج جديد عبارة عن حساء مصنوع من مجسات الأخطبوط، لكنه قبل ذلك يقدّم فقرة تعريفية كوميدية عن الأخطبوط، من تصنيفه العلمي إلى قدراته المذهلة مثل الذكاء العالي والتخفي والتأقلم مع البيئة، مع الإشارة إلى إشادة العالم Charles Darwin بهذه الكائنات.
لكن هذا الطابع المرح لا يدوم طويلًا، إذ تتحول المقدمة سريعًا إلى بداية مأساوية، حيث يتم اختطاف الأخطبوط “داروين” وصديقه من أعماق البحار بهدف استخدامهم كمواد للطهي. يتمكن داروين من الهرب بطريقة ما، لكنه يجد نفسه في مكب نفايات، ومن هنا تبدأ رحلته الحقيقية في النجاة، والهروب، واكتشاف ما يدور ما وراء الستار لهذه الشركة الغامضة.
أسلوب اللعب
تقدّم Darwin’s Paradox تجربة ممتعة تمزج بسلاسة بين البلاتفورمنغ (Platforming) والتسلل (Stealth) في آنٍ واحد. ورغم بساطة الفكرة، إلا أن التنفيذ جاء ممتعًا للغاية، حيث أبدع الاستوديو في تجسيد فكرة اللعب كأخطبوط دون مبالغة، مع الحفاظ على خصائصه الواقعية. كما هو معروف، يتمتع الأخطبوط بذكاء عالٍ وقدرة كبيرة على التخفي والاندماج مع البيئة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسلوب اللعب. تستطيع التسلل وتجنب الأعداء بذكاء، مستفيدًا من البيئة المحيطة، بينما تلعب أذرعه دورًا أساسيًا في التنقل، حيث تمتلك قدرة الالتصاق بالأسطح، وهو ما يشكل جوهر تجربة البلاتفورمنغ في اللعبة.
إضافة إلى ذلك، يمتلك داروين قدرة إطلاق الحبر، والتي تُستخدم بطرق متعددة، أبرزها في التخفي وتشتيت الأعداء، مما يضيف بعدًا تكتيكيًا للتجربة. ومن الأمور المميزة أيضًا هو التوازن بين الحركة في اليابسة والماء؛ ففي الماء تكون الحركة أسرع وأكثر انسيابية، بينما على اليابسة تصبح محدودًا أكثر، ولا سبيل للهروب إلا باستخدام قدراتك بذكاء، مما يعزز من عنصر التوتر والتخطيط.
أما القتال، فهو شبه معدوم، وهو قرار يُحسب للعبة، لأنه يحافظ على هويتها التي تركز بالكامل على التسلل والتفكير وحل التحديات، فوجود القتال حتى بشكل بسيط كان سيؤثر سلبًا على روح التجربة.

تصميم المراحل
تقدم Darwin’s Paradox تصميم مراحل مذهل يُعد من أبرز نقاط قوة اللعبة، حيث ينجح في تقديم تنوع واضح في البيئات، بدايةً من مكب النفايات، مرورًا بأنابيب الصرف الصحي، وصولًا إلى منشآت شركة UFOOD Inc.، مما يحافظ على تجدد التجربة باستمرار. كل مرحلة تأتي بتحدياتها الخاصة، سواء من ناحية الأعداء أو المواقف التي تجد نفسك فيها؛ فمرات تهرب من طيور تحاول افتراسَك، ومرات أخرى من جرذان تلاحقك، أو حتى من موظفي الشركة الآليين. هذا التنوع يضيف توترًا مستمرًا ويجعل كل مرحلة مختلفة عن الأخرى.
أما الألغاز، فهي ليست تقليدية بقدر ما هي تحديات تعتمد على استخدام قدراتك بذكاء. أذرع داروين لا تُستخدم فقط للتنقل والالتصاق، بل تلعب دورًا مهمًا في التفاعل مع البيئة، مثل سحب الأشياء ونقلها، أو استخدامها كمنصات للوصول إلى أماكن مرتفعة، وحتى حجب أشعة الليزر القاتلة لتأمين طريقك عن طريق وضع الاشياء امامها او استخدام الحبر بدلاً من ذلك.
تحتوي اللعبة أيضًا على نظام تلميحات يساعدك في حال لم تعرف كيفية تجاوز منطقة معينة، حيث يقوم بتنبيهك إلى القدرة المناسبة للاستخدام أو يشرح بعض الآليات التي تحدث أثناء اللعب. على سبيل المثال، في إحدى المراحل البحرية يتعين عليك تجنب مجموعة من أسماك القرش الآلية التي تطلق صواريخ وترسل إشارات سونار قادرة على كشف موقعك إذا لم تختبئ داخل الأعشاب البحرية. لكن هذه الأعشاب تنكمش عند البقاء بالقرب منها لفترة طويلة، ما يجبرك على التحرك بينها بشكل متوازن لتجاوز هذا الجزء. وبالطبع، يظل نظام التلميحات اختياريًا، ويمكنك تعطيله إذا كنت تفضل حل الألغاز دون أي إرشادات مباشرة.
ومن أبرز اللحظات في اللعبة، وجود مرحلة مستوحاة من سلسلة Metal Gear Solid، والتي نجحت في تقديم أجواء التسلل بشكل متقن جدًا، لدرجة أن حتى المؤثرات الصوتية تعيد للأذهان تلك الأجواء الكلاسيكية. ومن الجميل أنها لم تكن حصرية للديمو فقط كما يحدث في بعض الألعاب مثل Final Fantasy XV، بل كانت جزءًا من التجربة الكاملة، وتُعد من أفضل المراحل التي تقدمها اللعبة.

السرد القصصي
رغم غياب الحوارات التقليدية، تنجح Darwin Paradox في تقديم قصتها بأسلوب ذكي يعتمد على البيئة (Environmental Storytelling). فمن خلال تفاصيل المراحل، والملاحظات المنتشرة، والعناصر القابلة للاستكشاف، يتم إيصال فكرة القصة البسيطة التي تدور حول محاولة كائنات فضائية السيطرة على البشر عبر الشركة التي تديرها.
الجانب الكوميدي يلعب دورًا كبيرًا في إبقاء التجربة ممتعة، خصوصًا مع المسارات الجانبية التي تكافئك باستكشافات تضيف بعدًا ساخرًا لفهم القصة. الوصف المكتوب مع هذه الاكتشافات غالبًا ما يكون هزليًا، مثل تصوير طريقة أكل البشر أو شرح جهازهم الهضمي بأسلوب مضحك، أو حتى محاولات هذه الكائنات لفهم المجتمع البشري والتخطيط للاندماج فيه، كاختيار الملابس المناسبة. ومن أبرز اللحظات الطريفة هي تصرفاتهم الغريبة مع بعضهم البعض، سواء في طريقة التحية أو التفاعل، بالإضافة إلى لمسات ساخرة مثل إعادة تخيل لوحات فنية مشهورة كصورة الموناليزا مع استبدال رأسها بصورة لاحد هذه الكائنات ، مما يضيف طابع فكاهي مميز

الجانب التقني
تمت تجربة Darwin Paradox على منصة الحاسب الشخصي (PC)، وقد قدمت أداءً ممتازًا يخلو من أي مشاكل تقنية تُذكر. لم يظهر اي تقطع في الاداء أو هبوط مفاجئ في الإطارات، كما أن التجربة كانت مستقرة طوال فترة اللعب على اعلى الاعدادات مع سقف اطارات مرتفع
التوجه الفني
رغم أن Darwin Paradox تأتي بأسلوب ثنائي الأبعاد (2D)، إلا أن ذلك لم يمنع الاستوديو من تقديم تجربة ذات طابع سينمائي مليئة بالتفاصيل، لدرجة تجعلك تشعر وكأنك تشاهد مسلسلًا أو فيلم رسوم متحركة تفاعلي. الإخراج البصري،التلاعب بزوايا الكاميرا، وحركة الشخصيات التي تجعل الخلفيات مليئة بالنشاط كلها عناصر تم توظيفها لتعزيز هذا الإحساس.
أما على صعيد الصوتيات، فغياب الحوارات لم يكن نقطة ضعف، بل على العكس، أعطى مساحة أكبر للموسيقى لتتألق. الموسيقى التصويرية تتأقلم بشكل ممتاز مع مجريات اللعب ففي اللحظات الهادئة لا يُسمع سوى وقع الخطوات، مما يعزز الشعور بالعزلة والترقب، بينما خلال لحظات المطاردة ترتفع حدة الموسيقى لتجعل المشهد أكثر توتراً.
* تمت مراجعة اللعبة على PC بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- تصميم مراحل ممتاز يجمع بين أفكار لعب ذكية وسرد بيئي يخدم القصة.يحافظ على روح ألعاب البلاتفورمنغ الكلاسيكية.
- حركات داروين السلسة تجعل التنقل وأجزاء البلاتفورمنغ ممتعة جدًا.
- توازن جيد في وتيرة اللعب بين التسلل والمنصات.
- الطابع الكوميدي، خاصة مع فكرة الغزو الفضائي، ينتج عنه دائمًا مزيج مرح.
السلبيات
- بسبب محدودية قدرات شخصية داروين، قد تشعر بعض أجزاء اللعبة بالتكرار مع مرور الوقت، لكن هذا الشعور لم يراودني، بكل صدق، لأن طول اللعبة ملائم لما تقدمه من أفكار.
- نظام التلميحات يظهر مبكرًا أكثر من اللازم، حتى قبل أن تحصل على فرصة كافية للتفكير ومحاولة تجاوز التحدي بنفسك.
تقدم Darwin’s Paradox تجربة بلاتفورمنغ مميزة، حيث نجحت في تجسيد أسلوب اللعب كأخطبوط بشكل مثالي، مستفيدة من تصميم مراحل ذكي لا يخدم طريقة اللعب فقط، بل يساهم أيضًا في سرد القصة بطريقة مميزة.
ومع توجهها الفني السينمائي، استطاعت اللعبة أن تبني هوية بصرية خاصة تميزها عن غيرها، بينما جاءت لحظاتها الكوميدية والساخرة كلمسة أخيرة تتناسب مع اسلوب القصة الهزلي.
