المقدمة
وصل الجزء الثاني من لعبة Code Vein أخيراً بعد ما يقارب ست سنوات من إصدار الجزء الأول، اللعبة التي قدّمت تجربة ألعاب السولز بروح مختلفة وطابع فني مستوحى من عالم الأنمي. ورغم حمله للرقم (2)، إلا أن اللعبة لا تتطلب أي معرفة مسبقة بأحداث الجزء الأول، إذ يمكن الدخول إليها مباشرة والاستمتاع بقصتها القوية وأسلوب لعبها الذي شهد تطوراً ملحوظاً على مختلف الأصعدة مقارنة بسابقته.
جزء جديد ينجح في الارتقاء بالسلسلة، خصوصاً على مستوى السرد القصصي وتقديم تجربة أكثر نضجاً وتأثيراً، ما يجعلها واحدة من أبرز ألعاب هذا النوع. تصنَّف اللعبة كلعبة تبادل أدوار وسولز في آنٍ واحد، والمحتمل أن يجذب هذا الإصدار عدداً كبيراً من اللاعبين الجدد بفضل تقديمه تجربة لعب متوازنة مع تحدي مقبول لجميع الاشخاص من دون التخلي عن الصورة النمطية لالعاب السولز.

في عالمٍ يواجه خطر الاندثار، ومع بقاء أعدادٍ قليلة من البشر والـRevenants، تتصاعد الصراعات على الموارد داخل واقعٍ منهار تطغى عليه القسوة واليأس. يخيّم على هذا العالم تهديدٌ غامض يُعرف باسم Resurgence، كيان قادر على تحويل أي شيء إلى مخلوقات مشوّهة تنشر الدمار أينما حلّت.
قبل ما يقارب مئة عام، تمكّنت مجموعة من المحاربين الشجعان من ختم هذا التهديد في معركة تاريخية عُرفت باسم الانقلاب (Upheaval)، إلا أن الثمن كان فادحاً؛ إذ أُجبر هؤلاء الأبطال على التضحية بحريتهم، ليصبحوا عالقين ومقيّدين داخل الختم نفسه. أي ضرر قد يصيب هذه القيود كفيل بتحرير الـResurgence وعودة نهاية العالم من جديد. واليوم، وبعد مرور قرنٍ كامل، بات الخطر وشيكاً أكثر من أي وقت مضى، ولم يتبقَّ سوى أملٍ واحد يتمثل في بطل قصتنا والمرافقة له Lou، التي تمتلك القدرة على العودة إلى الماضي. تنطلق الرحلة عبر الزمن لتحرير الأبطال العالقين منذ الانقلاب، وإنهاء مصيرهم المأساوي، ومحاولة وضع حدٍّ لهذا التهديد إلى الأبد.
تتناول Code Vein 2 ثيمة تعدد الأزمنة وتأثير العودة إلى الماضي على مجرى الأحداث، موضحةً كيف يمكن لأي تغيير، مهما بدا بسيطاً، أن يخلّف عواقب وخيمة على المستقبل. تضعك اللعبة أمام سلسلة من القرارات المصيرية، مستفيدة من عرض العالم والشخصيات عبر خطّين زمنيين مختلفين. ومع تطور العلاقة بينك وبين الشخصيات الرئيسية، والروابط العميقة التي تتشكل خلال رحلتك معهم، يصبح من الصعب تقبّل أن يكون مصيرهم محتوماً، ما يدفعك لمحاولة تغيير مجرى الأحداث، رغم إدراكك الكامل للعواقب التي قد تترتب على ذلك.
لم تكتفِ اللعبة بتقديم قصة متماسكة منذ لحظاتها الأولى وحتى نهايتها، بل نجحت في التأثير عليّ على المستوى الشخصي، بطريقة لم أشعر بها منذ سلسلة NieR. يعيش كل لاعب أحداث القصة عبر كلا الخطين الزمنيين، ومع التعمق في معرفة كل بطل، ورؤية ما كانوا عليه في الماضي، والقدرة على استشعار ذكرياتهم وآلامهم، تصبح التجربة أكثر إنسانية وعمقاً.. إنها تجربة قصصية من الطراز الرفيع، ستظل عالقة في الذاكرة لفترة طويلة.

تنجح Code Vein 2 في خلق مكانة مميزة لها ضمن تصنيف أصبح متخماً بالألعاب، موجّهة رسالة واضحة لأي مطوّر يرغب بدخول هذا النوع مفادها أن التميّز لا يتحقق إلا عبر تقديم أسلوب لعب متوازن يسمح لمختلف فئات اللاعبين بالاستمتاع بالتجربة. ورغم ذلك، تحافظ اللعبة على روح ألعاب السولز الأصيلة، من حيث التحدي في مواجهات الزعماء، والخوف الدائم من خسارة الموارد، والحاجة إلى تفادي الأخطاء قدر الإمكان.
أسلوب القتال أصبح أكثر توازناً مقارنة بالجزء السابق، مع تحسين ملحوظ في سلاسة الحركة ومرونتها، ما يمنح اللاعب تحكماً أفضل أثناء المواجهات دون التقليل من حدّة التحدي أو الإحساس بالخطر الدائم. كما يعود نظام Blood Codes مع تحسينات كبيرة تشجّع على التبديل المستمر بين أنماط لعب مختلفة، في خطوة تنسجم تماماً مع تصنيف اللعبة كلعبة تبادل أدوار، وتمنح اللاعب حرية واسعة في تخصيص أسلوبه والتكيّف مع مختلف التحديات.
وإلى جانب الأسلحة الاعتيادية، تقدّم اللعبة نوعاً مميزاً من الأسلحة يُعرف باسم Jails، والتي يمكن أن تسهّل التجربة بشكل كبير عند استخدامها بالشكل الصحيح وفي التوقيت المناسب. تُستخدم هذه الأسلحة بشكل أساسي لجمع نقاط Ichor، والتي تمتلك استخدامات متعددة، أبرزها تفعيل المهارات المختلفة أو استخدام الدروع للتصدي للهجمات وردّ الضربات.

نظام المرافقين (Companion System)
تلعب الشخصيات التي تقاتل إلى جانبك دوراً محورياً في Code Vein 2، حيث توفّر طريقتين مختلفتين لمساندة اللاعب.
الطريقة الأولى هي القتال المباشر، إذ يرافقك أحد المرافقين في رحلتك ويقاتل إلى جانبك، وهو خيار مفيد بشكل خاص للاعبين الذين يفضّلون الأسلوب التكتيكي، حيث يمكن للمرافق تشتيت انتباه الأعداء، وخصوصاً خلال مواجهات الزعماء، مما يمنحك فرصة لالتقاط أنفاسك، إعادة التموضع، أو التخطيط لهجومك التالي.
أما الطريقة الثانية فتُعرف باسم الاندماج (Assimilation)، وهي نظام يسمح لك بالاندماج مع المرافق ليصبح كلاكما كياناً واحداً. يمنحك هذا الاندماج مجموعة من التأثيرات الإيجابية (Passive Effects) التي قد تُغيّر أسلوب لعبك بالكامل، وتفتح أمامك استراتيجيات وأنماط قتال متعددة تتجاوز ما قد تتوقعه.
نظام BURDEN System
بصورة مبسّطة، يُعد نظام Burden آلية تعاقب اللاعب في حال كانت المعدات التي يستخدمها تتطلب إحصائيات أعلى مما يستطيع Blood Code الحالي توفيره. أي أن التوازن بين العتاد المختار ونوع الـBlood Code المستخدم يُعد عاملاً أساسياً في تحديد كفاءة الشخصية وأدائها في القتال. يعتمد النظام على ست إحصائيات رئيسية، تختلف قيمها باختلاف الـBlood Code المستخدم، حيث يمتلك كل Blood Code توزيعاً خاصاً للإحصائيات يجعله مناسباً لأنماط لعب معينة دون غيرها.
على سبيل المثال، إحصائية القوة (Strength):
إذا كان سلاحك ضمن الحد الذي يستطيع الـBlood Code دعمه، ستزداد قوة الضربات القريبة المدى بشكل فعال. أما في حال تجاوزت متطلبات السلاح الحد الذي يوفّره الـBlood Code، فستبدأ العقوبات بالظهور، مثل زيادة استهلاك التحمل (Stamina)، وخسارة أكبر للطاقة عند تفويت الضربات أو عدم إصابة العدو.
وينطبق هذا المبدأ على باقي الإحصائيات الخمس الأخرى، مثل الذكاء، التخطيط، الصحة وغيرها، حيث تمتلك كل واحدة منها فوائد واضحة طالما بقيت ضمن الحد المسموح، لكنها تتحوّل إلى عبء حقيقي على اللاعب عند تجاوز هذا الحد، ما يؤثر سلباً على الأداء العام للشخصية. إضافةً إلى ذلك، يؤثر نظام Burden بشكل مباشر على أسلوب التفادي (Dodge)، إذ توجد ثلاثة أنواع مختلفة للتفادي تعتمد على مستوى الـBurden:
– تفادٍ سريع وسلس عند Burden منخفض
– تفادٍ متوسط بتوازن بين السرعة والثقل
– تفادٍ ثقيل وبطيء عند Burden مرتفع
هذا يجعل نظام Burden عنصراً استراتيجياً مهماً، لا يفرض عليك اختيار العتاد الأقوى فقط، بل يجبرك على التفكير في التوافق بين الإحصائيات، الـBlood Code، وأسلوب اللعب الذي ترغب باتباعه.

الطابع الفني لـ Code Vein 2: لوحة تدمج بين “أناقة الأنمي” و”سوداوية الفناء”
امتداداً للهوية البصرية الفريدة التي أرساها الجزء الأول كأول تجربة “سولز” تتبنى لغة الأنمي الرسومية، يأتي الجزء الثاني ليرتقي بهذا التوجه نحو آفاق أكثر دقة وتفصيلاً، سواء في ملامح الشخصيات المثقلة بالقصص أو في تفاصيل العالم المتآكل.
فلسفة التصميم والبيئة
ينجح الأسلوب الفني في تجسيد “جماليات اليأس”، حيث تشعر بمرارة الدمار في كل زاوية. تتنوع البيئات ببراعة لتنقل اللاعب بين نقيضين: صمت المدن المهجورة الموحش، وحيوية الغابات القاتلة التي تخفي الموت خلف ألوانها الجذابة.
سحر الإضاءة ولغة الألوان
ثمة عبقرية واضحة في توظيف الألوان، لاسيما التباين الصارخ بين اللون الأحمر القاني (رمز الحياة والموت في عالم اللعبة) وبين الإضاءة الخافتة في الأماكن المعتمة، مما يخلق جواً من الرهبة البصرية والجمال المتوحش في آن واحد.
الهوية المعمارية وتصميم الزعماء
يستمر الطابع “القوطي” في فرض هيبته على عالم اللعبة؛ من خلال الكاتدرائيات الشاهقة والتماثيل الصامتة التي توحي بعظمة غابرة. ويتوج هذا الإبداع بتصاميم الشخصيات والزعماء، الذين يمثلون المحور الفني الأهم؛ حيث تم تصميمهم بتفاصيل بصرية مذهلة تعكس صراعاتهم الداخلية، مما يجعل من كل مواجهة ملحمة فنية متكاملة.

ما وراء السرد: عالم متفرع وأسرار تُعيد صياغة الحكاية
هل اكتفت اللعبة بتقديم قصة خطية متكاملة فحسب؟
على العكس تماماً؛ فإذا لم يكن العالم الواسع المليء بالغموض كافياً لإرضاء شغفك، فإن اللعبة تأخذك إلى أبعد من ذلك. هي لا تقدم مجرد خريطة، بل تمنحك “عالماً موازياً” تدور أحداثه في ذات المكان، لكنه يفيض باختلافات جذرية تتجاوز المظهر الخارجي لتطول جوهر التجربة.
تفاعل الشخصيات والمهام المصيرية
في هذا العالم، لن تجد شخصيات عابرة؛ فالتفاعل مع المحيط يتغير، والمهام الثانوية هنا ليست مجرد حشو رقمي، بل هي أعمدة تضاهي القصة الأصلية في ثقلها. تمتلك هذه المهام تأثيراً مباشراً وعميقاً على مسار الأحداث، حيث تقدم منظوراً مخفياً للشخصيات قد يغفل عنه اللاعب العادي، لتثبت أن كل قرار جانبي قد يكون هو المفتاح لتغيير مصير العالم بالكامل.
الاستكشاف.. مكافأة الفضول
عالم اللعبة ليس مجرد مسرح للأحداث، بل هو كيان حي قابل للاستكشاف في كل زاوية. كل مبنى تلمحه عيناك قد يخفي خلف جدرانه المتهالكة أغراضاً نادرة، أو قد يقودك إلى مغارة سحيقة تنتهي بمواجهة ملحمية مع زعيم سري. هنا، لا يذهب فضولك سدى؛ فكل طريق تسلكه بعيداً عن المسار الرئيسي ينتهي بمكافآت سخية تجعل من الاستكشاف جزءاً لا يتجزأ من متعة التطور والقوة.
الأداء التقني
خضعت اللعبة لاختبارات عديدة على منصتي Playstation 5 وPlaystation 5 Pro، وتبين من خلال التجربة عن مشاكل في الأداء تحتاج إلى تحديثات لاصلاحها.
توفر اللعبة نمطين تقنيين، كلاهما يستهدف الوصول إلى 60 إطاراً في الثانية:
– نمط الدقة (Quality Mode): يركز على جودة الرسوم وتفاصيل العالم.
– نمط الأداء (Action Mode): يمنح الأولوية لسلاسة الحركة، وهو النمط الأكثر استقراراً ومثالية لتجربة اللعبة.
ورغم استهداف الـ 60 إطاراً، إلا أن اللعبة تعاني من تذبذب ملحوظ في معدل الإطارات (Framerate Drops) في مواضع متفرقة، ولم تقتصر هذه المشكلة على أسلوب اللعب فحسب، بل امتدت لتشمل بعض المشاهد السينمائية بشكل مستغرب. بالإضافة إلى ذلك، مشاكل في سرعة تحميل الخامات (Textures Loading)، حيث تظهر بعض تفاصيل البيئة وملابس الشخصيات بدقة منخفضة قبل أن تكتمل معالجتها.
من أكثر النقاط إحباطاً هو غياب استغلال القوة الإضافية لجهاز PS5 Pro؛ حيث تفتقر اللعبة لنمط أداء مخصص يستفيد من قدرات الجهاز التقنية. والأمر الأكثر جدلاً هو عدم دعم تقنية الرفع الذكي PSSR (الموازية لتقنية DLSS على الحاسب)، والاعتماد بدلاً من ذلك على تقنية FSR التي لا تزال تعاني من سمعة متواضعة على أجهزة الكونسول مقارنة بباقي التقنيات الاخرى، مما أدى إلى خسارة نمط مهم كان سيلعب دوراً مهماً ليس فقط لتحقيق اداء متوازن بل الحفاظ على جودة صورة مثالية.
* تمت مراجعة اللعبة على PS5 بنسخة مراجعة مقدمة من الناشر.
الإيجابيات
- قصة مليئة بالأحداث الصادمة والمؤثرة، تعتمد بشكل ذكي على فكرة القفز عبر الأزمنة وتأثيرها المباشر على مجرى الأحداث.
- أسلوب فني مذهل يمزج بين طابع الأنمي المميز ولمسات واقعية تضيف عمقاً بصرياً للعالم والشخصيات.
- نظام المرافقين يتجاوز كونه دعماً قتالياً فقط؛ فكل شخصية تبني رابطاً عاطفياً واضحاً مع اللاعب، مدفوعاً بالأحداث والتجارب التي مرّت بها خلال القصة.
- نظام Blood Codes يشجع على تجربة استراتيجيات لعب متعددة ويمنح حرية حقيقية في تخصيص أسلوب القتال.
- محتوى جانبي غني لم يُضف لإطالة عمر اللعبة فحسب، بل لتوسيع العالم وشرح جوانب سردية لم تتناولها القصة الرئيسية بشكل مباشر.
- معارك زعماء ملحمية تجمع بين التحدي، الإخراج الفني، والتصميم الذكي للمواجهات.
السلبيات
- عدم استغلال قدرات جهاز PS5 Pro بالشكل المطلوب، مع غياب نمط أداء مخصص لملاك الجهاز.
- هبوط في معدل الإطارات في بعض اللحظات؛ ورغم أنه لم يصل إلى حد التأثير المباشر الذي قد يكون سبب في خسارتي في احد المرات، إلا أنه يظل نقطة سلبية على الاقل كان يجب على طور الاداء ان يقدم اداء مستقر نسبياً.
- مشاكل في تحميل الخامات (Textures) في بعض الأحيان، قد تصل إلى ظهور وميض بصري في البيئات أو على ملابس الشخصيات.
تقدم Code Vein 2 تجربة واثقة تعرف جيداً ما الذي تسعى الى تحقيقه، وتنجح في تطوير هوية السلسلة دون التخلي عن جذورها التي ميزت الجزء الماضي. فهي لا تكتفي بتحسين أسلوب اللعب بتوفير أساليب لعب متعددة، بل تعيد صياغة التجربة ككل لتقديم قصة مستقلة ذات طابع انساني بتقديمها لشخصيات ذات طابع انساني مفعمة بالندم والصراعات الداخلية تتمحور حول تغيير القدر وأن كل تغيير يأتي محملاً بعواقب وثمن باهض، أعمق من حيث الأنظمة، وأوضح في رؤيتها الفنية، لتثبت أن حضورها في تصنيف السولز لم يعد مجرد محاولة مختلفة،بل اصبحت تمتلك مساحة خاصة بها ولا تعتمد على شعبية تصنيفها.
